Saturday, July 4, 2015

شوقي أو أسلوبان في النقد - مجلة الجهاد - ١٧ يناير ١٩٣٣


على ذكر رسالة «شوقي» للأستاذ أنطون الجميل.
أحمد شوقي
أنطون الجميل
تعميم الأحكام على الأمم عرضة للخطأ في جميع الأحوال، فإذا قيل: إن الألمان موسيقيون أو أنهم أعرف بالموسيقى من الروسيين فقد يخطئ هذا الحكم حتى نرى من الألمان من لا يفقه الموسيقى، ونرى من الروسيين من يتفرد بالعبقرية الموسيقية في عصره، وإذا قيل: إن الترك أهل شجاعة، فقد يخطئ هذا الحكم حتى يكون التركي جبانًا يضرب به المثل في الجبن بين قومه وغير قومه، ولا مناص من هذا الخطأ في وصف الأمم لأسباب شتى.
منها أننا لن نجد في الأرض أمة واحدة من أصل واحد، ومتى تعددت الأصول فمن الصعب، بل من المستحيل أن تتشابه الصفات في الجميع، ومنها أن الناس من أصل واحد يختلفون أحيانًا كما يختلف الناس من عدة أصول، فرُبَّ رجلين أحدهما من أقصى الشمال والآخر في أقصى الجنوب يتقاربان في الخصال والملامح كما لا يتقارب الأخوان الشقيقان.
لكن الخطأ في الأحكام العامة لا يمنع أن تكون هناك أحكام عامة تَصدُق على الجملة، وتؤخذ على هذا الاعتبار، فإذا لم يكن لنا مناص من الخطأ في التعميم، فليس لنا كذلك مناص من بعض التعميم في مسائل الشعوب والأقوام.
على هذا لا بأس أن نطلق حكمًا عامًّا على مدرستين كبيرتين من مدارس النقد الأدبي الحديث في البلاد الغربية؛ وهما: مدرسة اللاتين، وشعارها عندنا «الأناقة»، ومدرسة السكسون، وشعارها عندنا «البساطة» أو «الفطرة»، ولكل منهما أنصار وأتباع بين كتَّاب العربية يمثلونها من حيث يشعرون أو لا يشعرون.
تقرأ الناقد الفرنسي وكأنما تتخيل أمامك ظريفًا باريسيًّا يقدم رجلًا من معارفه إلى «صالون» أو جماعة من جماعات الأندية، فهو في وصفه لهم يعرفهم قيمته «العرقية»، ولا يُعنى كثيرًا بتعريفهم قيمته الحقيقية، أو هو يُعرِّفهم قيمته على حسب الأوضاع والمراسيم الجارية، ولا يلتفت كثيرًا إلى ما وراء ذلك من القيم الخفية التي لا يعنى بها في المجالس والعلاقات الاجتماعية.
وقد يومئ إلى عيب من عيوبه لتكون الغمزة نكتة مستملحة، أو معرضًا للباقة التعبير والتورية البليغة، أو ليكون الدفاع عنها براعة في المحاماة والتخريج، وليس من الضروري أن يكون براعة في تقرير الواقع والنفاذ إلى الحقيقة.
وإنك لتقرأ الناقد السكسوني فكأنما تتخيل أمامك دليلًا يرشدك إلى رجل يعنيك أن تعامله، وتطَّلع على جميع شأنه، أو يرشدك إليه وهو على سجيته كما يكون في قافلة السفر، أو بين خاصة أهله، أو منفردًا بنفسه، فلا يتكلف لملبسه ولا مأكله ولا مظهره، ولا يبرز للمجمع في أجمل أزيائه. قد يتكلف التكلف الإنساني الذي يلزم الإنسان في جميع حالاته، ولا يتكلف الكلف الاجتماعي الذي وضع له أصولًا مرسومة وقواعد معلومة.
وقس على ذلك أبطال الفريقين في القصص والروايات من تمثيلية وغير تمثيلية؛ فبطل الرواية الفرنسية هو دائمًا عضو في «مجتمع» تعرفه بهذه الشارة قبل أن تعرفه بصفة أخرى، فهو إما زوج، أو خطيب، أو مدير مصرف، أو ضابط في فرقة عسكرية، أو داعية إلى ثورة في السياسة أو الاجتماع، ثم تأتي بعد ذلك خصاله «الإنسانية» التي تنطوي في مظاهره وشاراته كأنها تبع غير مقصود لذاته.
وبطل الرواية السكسونية هو دائمًا «رجل» قبل كل شيء، أو امرأة قبل كل شيء، رجل تعرفه بطبائعه وأخلاقه قبل أن تعرفه بوظائفه وشاراته، فهو طامع أو قانع، وطيب أو خبيث، وشجاع أو جبان، وصارم أو وديع، ثم تأتي بعد ذلك علاقاته الاجتماعية في سياق الرواية كأنما جاءت عفوًا واضطرارًا، أو كأنما هي كذلك تبع غير مقصود.
***
عنت لي هذه الخواطر وأنا أقرأ الرسالة الطريفة التي دبجها الكاتب الألمعي الأستاذ أنطون الجميل عن «شوقي شاعر الأمراء»؛ فإن الأستاذ الجميل أحسنُ مثال للمدرسة اللاتينية بين أدباء العربية، ولا سيما في العهد الذي تلقَّى فيه دروسه واستهل حياته الأدبية، ولا يخفى أن ثقافة اللاتين قبل ثلاثين سنة تُباين ثقافتهم في عهدنا الحاضر؛ إذ يميل الأدباء ميلًا ظاهرًا إلى الفطرة والبساطة، ويقل من يقتدي بشعراء فرنسا وبلغائها في القرن الثامن عشر وما قبله.
فالأستاذ الجميل يقدم لنا الشاعر في هذه الرسالة كما يقدم الظريف الباريسي صاحبه إلى جماعة الصالون: مجاملة «اجتماعية» في كل سطر من السطور، فإن كان لا بد من غمزة فهي الغمزة التي تعود في ثنايا الكلام نكتة مستملحة، أو تتيح للكاتب فرصة اللباقة في الدفاع الذي يعقبه تبادل الشكر والابتسام!
ولم يعنَ الكاتب الأريب بدرس «شوقي» عنايته بعرض القواعد والشارات التي تتصل بشوقي ومقاصد شعره، فشوقي في هذه الرسالة موضوع تدور حوله القواعد والآراء، وليس بإنسان مقصود لذاته من وراء النقد والعرف والمصطلحات، ومع هذا لم يوفق الكاتب في المطابقة بين الموضوع وقواعده أقل توفيق.
مثال ذلك: قال الأستاذ الجميل عن مدائح شوقي: «أما مغالاته في هذه النوع من الوصف، ووضعه الرجال الذين يصفهم — مدحًا أو رثاء — فوق عامة البشر؛ فإنه يرجع إلى وضعه الناس كما يجب أن يكونوا لا كما هم؛ ولهذا المذهب الأدبي أنصاره، وحامل لوائه الشاعر الفرنسي كولونيل في رواياته التمثيلية، ونقيضه فيه معاصره الشاعر راسين، فقالوا: إن الأول صوَّر أبطال رواياته كما يجب أن يكونوا، والثاني صوَّرهم كما هم؛ لذلك نعجب بأبطال الأول، ونحب أبطال الثاني.»
فالأستاذ الجميل هنا محام يفسر «المادة» في مصلحة موكله، وليس بناقد أو قاضٍ يعنيه أن يصل إلى الحقيقة، والأستاذ الجميل هنا يستخصر القاعدة، ولكنه يخطئ سبيل التطبيق، ويخرج بالقاعدة عما وضعت له في الأدب والأخلاق.
إن الشاعر في حِلٍّ من أن يصف أبطال الخيال كما يكون الناس في عالم الواقع المشهود، أو كما يجب أن يكونوا في عالم يتخيله ويتمناه. وهذا إذا كان الشاعر ينظم لنا قصة مبتكرة، أو يصور لنا أسطورة موروثة، أو يخترع لنا أبطالًا لا وجود لهم في غير أحلامه وأمانيه، أما إذا كان يصف لنا إنسانًا حيًّا معروفًا، فكيف يعقل أن يصفه كما ينبغي أن يكون لا كما هو كائن معروف؟ إنه إن وصفه بغير أخلاقه لم يصفه، وإن وصفه بأخلاقه لم يستطع أن يظهره لنا كما يجب أن يكون … وها هنا مثلٌ: رجل متوسط الشجاعة، ولكنه مفرط الشح والكزازة، أو مفرط في الغدر وسوء النية، فإذا مدحه الشاعر كما ينبغي أن يكون وجب أن يقول فيه: إنه أشجع الشجعان، وأكرم الكرماء، وأوفى الأوفياء، وإذا هو مدح الشجاع الحق، والكريم الحق، والوفي الحق، لم يستطع أن يقول فيه غير هذا المقال، ولم يكن ثمة فرق بين الناس في المناقب والخصال، فهل هذا ما يسميه الأستاذ الجميل «مدرسة» المثاليين الذين يصدقون الوصف بأي مقياس، وعلى أي اعتبار؟ وهل يبقى بعد ذلك معنى للوصف أو معنى للتمييز بين الممدوحين؟
ومثل آخر من أمثلة هذه القواعد الصالونية قول الأستاذ: «أما تعدد الممدوحين واختلافهم فيشفع بالمادح أنه توخى دائمًا غرضًا واحدًا في مدحهم، فإذا مدح على التوالي السلطان عبد الحميد ورجال الاتحاد والترقي الذين خلعوه، وإذا أطنب بذكر سلاطين الآستانة، فإنه قد غير اسم الممدوح ولم يغير مقصده من المدح، أو إن شئتم قولوا: إنه بدَّل العنوان ولم يبدِّل ما تحت العنوان.»
وهذا كلام إذا أريدت به اللباقة «الصالونية» فهو حسن، أما إذا أريد به النقد وعرفان الناس والأخلاق، والنفاذ إلى صميم الأشياء؛ فهو خلو من كل معنى صحيح، وهو كلام قوله والسكوت عنه سواء، بل وربما كان السكوت عنه أولى بالصدق والإنصاف.
فمنذ وجد المدح في لغات الناس والشعراء يصفون الممدوحين بالصفات الممدوحة المستحبة، لا بالصفات المذمومة المستنكرة، وليس في وسع المتملق أو المنافق أو طالب المنفعة لنفسه أن يفعل غير ذلك في مدح إنسان أيًّا كان هذا الإنسان، فهل إذا جاء شاعر فمدح الشرير بالخير، ومدح الجاهل بالعلم، ومدح المفسد بالإصلاح، قلنا: لا عليه من ذلك؛ لأنه إنما يمدح الإصلاح والعلم والخير، ولا يمدح المفسدين والجهلاء والأشرار؟ ومتى يعاب المدح إن كان هذا لا يعاب؟ ومتى مدح شاعر صادق أو غير صادق إنسانًا فاضلًا أو غير فاضل فقال له: إنك يا أيها الممدوح مذموم لا تستحق الثناء؟ فقاعدة الأستاذ الجميل إذن هي تسويغ لجميع المدائح في جميع الممدوحين لا لشعر شوقي وحده في هذا الباب، وقاعدة الأستاذ الجميل من جهة أخرى هي لباقة دفاع، وليست بقانون صادق للنقد والتقدير.
***
ومثل آخر من أمثلة القواعد «الصالونية» في رسالة الأستاذ الجميل استدلاله بكلام شوقي على طبائعه وسجاياه.
فالاستدلال على الشاعر من كلامه قاعدة صحيحة لا غبار عليها، ولكن تطبيق الأستاذ الجميل لها هو التطبيق الخاطئ الذي أخل بالقاعدة الصحيحة كل الإخلال.
إن الشاعر ليثني على الفضائل؛ لأنه متصف بها، وإن الشاعر ليثني عليها؛ لأنه يجب أن يتصف بها، لا لأنه متصف حقًّا بما يثني عليه.
وإن الشاعر ليثني على الفضائل؛ لأنه يجب أن يشتهر بالثناء عليها، وإن الشاعر ليثني على الفضائل لسبب غير هذه الأسباب، وهو مجاراة العرف، وإرضاء السامعين والقراء.
ووظيفة الناقد هي أن يستدل من كلام الشاعر على حقيقة ثنائه، وأن يبين لنا في أي نوع من هذه الأنواع نسلك دعوة الشاعر أو دعواه.
أما الأستاذ الجميل، فقد أرانا في هذه الرسالة أن أخلاق الشاعر هي الأخلاق التي يثني عليها في شعره؛ فشوقي منصف؛ لأنه قال كذا في مدح عظيم مشهور، وشوقي بريء النفس؛ لأنه قال كذا في إطراء البراءة، وشوقي يفادي في حب وطنه؛ لأنه ذكر المفاداة والوطنية في بعض الأبيات. وليس هذا هو النقد في رأينا، ولكنه قراءة وإحصاء للأبيات المتفرقة لا أكثر ولا أقل، ولو كان هذا هو المقصود بالاستدلال على الشاعر من كلامه؛ لجاز أن تستغني عن النقد بقراءة الكلام.
وقد نطيل تعداد القواعد «الصالونية» في الرسالة لولا أن ما قدمناه فيه الكفاية لتوضيح وجهة نظرنا، والتفريق بين الأسلوبين.
وفي الرسالة ولا ريب ملاحظات صائبة، وآراء دقيقة، وإشارات تشف عن ذوق ومعرفة، وأقوال يتفق عليها القراء من مذاهب مختلفة، ولكنها لا تتعدى كلها باب «الصالون» إلى ساحة الفطرة المطلقة! فالرسالة تعرفنا بشوقي في حلة المساء، أو في لباس «السواريه»، أما شوقي كما خلقه الله، فربما زادنا به أن ننظر إلى تمثاله في كلام الأستاذ الجميل، ونحسب أننا لن نعرف شاعرًا كما خلقه الله في حجرات المدرسة «الصالونية»؛ حيث الأناقة مقدمة على البساطة والفطرة، وحيث يفرحون بالقواعد لأنها قواعد، لا لأنهم يعتمدون عليها في النفاذ إلى ما وراءها، وحيث الشعر متعة حسية قبل أن تكون رسالة من الحياة إلى الحياة.

No comments:

Post a Comment