Monday, July 13, 2015

سماسرة الأدب - مجلة الجهاد - ٢١ مارس ١٩٣٣


طبعت «وحي الأربعين» فلم يَنقضِ على ظهوره شهران حتى نفدت طبعته الأولى إلا نحو مائة نسخة توشك أن تنفد بعد أيام قليلة.
أقرر هذه الحقيقة لأزيد في رِضى الأصدقاء الذين ترضيهم، فليس أَوْلَى من أولئك الأصدقاء بعرفان هذا الأثر الذي يحمل شكره في أطوائه، وليس أَوْلَى من أولئك الحانقين بجزاء السخط الذي يغني عن جزائه.
ولو كان كل ما في الأمر نفاد طبعة من كتاب لما استحق منا الكتابة، ولا من القراء العناية، ولكنه أمر له دلالته، بل له دلالاته الكثيرة، فالكتابة فيه كالكتابة في ظواهر الحياة الأدبية عندنا على اختلافها، وليس أوجب على كاتب من أن يرصد هذه الظواهر حيثما وضحت وكيفما تكون.
فأول ما يدل عليه نفاد «وحي الأربعين» إلا قليلًا، في شهرين اثنين، أن قراء الشعر في العالم العربي يُعدُّون بالألوف، وأن منهم طبقة لا تُقبل على الشعر لأنه ملهاة يطلبها القارئ للتسلية وتزجية الفراغ، فإن أصدقاء «وحي الأربعين» وأعداءه مجمعون على أنه شعر لا يسهل فهمه على عامة القراء.
وكل شعر يحتاج إلى فهم خاص فإنما يحتاج إلى طبقة خاصة من قراء الأدب، وقراء الأدب عندنا قليلون، فإذا كانت الطبقة الخاصة بينهم تُعدُّ بالألوف؛ فتلك ظاهرة تستحق التسجيل منَّا ومن جميع المشتغلين بالآداب.
ولو نفد الديوان — أو قارب النفاد — بغير جهد في مقاومته لما اغتطبت به بعض اغتباطي به الآن، ولكنه قد نفد على الرغم من الدسِّ له وحرق الأرم عليه، بل نفد على الرغم من مؤامرات السكوت والسعاية والتواطؤ على الغمز والنكاية، فمن قرأ ما بين السطور مما كان يكتبه بعضهم هنا وهناك، في خلال هذين الشهرين، وقَع فيه على مضحكات وسخافات لا نرى لها نظيرًا في غير البيئة الأدبية التي لم تزل بيننا عرضة لأمثال تلك الصغائر لأسباب سنُلِمُّ ببعضها في هذا المقال.
فمنهم من كان يطوف الأرض ليحصي الشعراء ويقول من طرف خفي: إن صاحب «وحي الأربعين» ليس بشاعر …! ومنهم من كان يلفق الأسماء ليكتب بها إلى الصحف منكرًا على الناس أن ينظموا الشعر بعد سن الأربعين! ومنهم من كانوا يتواصون بالسكوت عن الديوان كأنهم لا يطيقون أن يسمعوا اسمه مذكورًا على الأفواه، ومنهم من كانوا يطوفون الأندية والقهوات مرات في كل يوم ليقوموا ويقعدوا بالقَدْح في العقاد، والافتراء على العقاد.
ومنهم من يحسبهم الناسُ أصحابًا لنا وهم يتعمدون أن يستعرضوا كل مطبوع ظهر في هذه الأيام إلا وحي الأربعين، فحبِط كل هذا ولم يَمنَع القراءَ أن يُقبلوا على كتاب يُحبُّون أن يقرءوه، ولن يمنعني أنا الآن أن أنظُمَ وأكتب كلما وجدت سبيلًا إلى النَّظْم والكتابة، وسأجد السبيل إليهما ما وجدت عندي صحة حسنة، وورقة، وقطعة قلم ولو مكسورة …!
وكثيرًا ما تعزَّى بعض الكسالى والجهلاء بأن القراء إنما يُقبلون على الكتب لأن مؤلفيها من الأدباء الكهول، والأدباء الكهول يتقارضون الثناء.
فهذا ديوان لم يكتب عنه واحد من الذين يُسمَّون بالأدباء الكهول، ومن قبله مصنفات عدة ظهرت لي ولم يكتب عنها واحد من أولئك الأدباء، ولعلهم في المستقبل لا يكتبون، ولعل بعضهم إن كتبوا لا يصدرون عن فهم صحيح، ولا تسخو نفوسهم ببعض ما يعتقدون، فما كسبتْ كتبي شيئًا من تقارُض الثناء المزعوم بين الكهول، ولن تكسب شيئًا إلا من قيمتها التي لا تتوقف على إجحاف ولا محاباة.
واعتماد القراء على أنفسهم في تمييز ما يروقهم دليل على ظاهرة جديدة في تاريخ الآداب المصرية، فقد خرج إذن فريق كبير من قراء الأدب من ربقة «السماسرة» المعروفين عندنا في عالم الصحافة والكتابة.
خرج القراء من ربقتهم بعد أن كان هؤلاء السماسرة يُقيمون من أنفسهم كهانة كاذبة أشبه شيء بكهانة الوثنية البالية، فإذا أرضَيتَهم قرَّبوك، وإذا أغضبتهم أبعدوك. لا سبيل إلى الجمهور القارئ إلا سبيلهم، ولا شهادة للأديب إلا شهادتهم، وفي وسع القراء الخارجين من ربقة الكهانة أن يتخيلوا مبلغ الحنق والغيظ في حناياها على من وصلوا إلى الجمهور القارئ بغير شفاعة منها، ولا ضراعة إليها؛ فقد كان كهان الأمس يصلبون ويحرقون.
فإذا استطاع كهان اليوم فما هم مُقَصِّرين في الصلب والإحراق، وليس حقدهم على من يُعاديهم إلا شعلة ضئيلة من نيران حقدهم على من يغفلهم ولا يكترث لوجودهم؛ فإن العدو يترك لعدوه وجودًا، ويعترف له بقوة. أما الذي يغفل إنسانًا ولا يكترث له فهو مستأصله من جذوره، إن كانت له جذور.
دالت دولة السماسرة في ناحية من الأدب، أو مع فريق من الأدباء والقراء، فغيظهم — إذا نظرت إلى مصلحتهم — غيظ مشروع، ولكنه أقبح ضروب الغيظ التي عرفها الإنسان إذا نظرنا إلى مصلحة الثقافة والاطلاع.
وهؤلاء السماسرة ضروب وأشكال: فمنهم الصحفي الذي درج على الكتابة أيام «الجاهلية»، فتعوَّد مِن بعض ضعاف النفوس أن يتملقوه ويصفوه بالأدب والعلم طمعًا في ثنائه وحسن رأيه، فهو يَعجبُ لأديبٍ — كائنًا من كان — يحطم له صولجانه، ولا يبالي أن يزدلف إليه، وقد يعجز عن الإساءة إلى ذلك الأديب بالنقد والتجريح، ولكنه لا يعجز عن الإساءة إليه بالغمز والسكوت، غمز الجبناء وسكوت المفحمين.
ومنهم الناشئ الشادي الذي طالت عليه شُقَّة الأدب، وتعجَّل الشهرة، واستكبر مؤنة الدراسة والمرانة، فهو يسأل نفسه: لماذا الدرس والتزود للكتابة بزادها إذا كان في وسعه أن يبدأ الكتابة اليوم، ويظفر غدًا بتقريظ الأدباء المشهورين، وإذا كان في وسعه أن يقوم من هذه القهوة ويقعد في تلك ليقول: هذا كاتب، وهذا شاعر، وهذا ليس بكاتب ولا بشاعر؟ فمَن مِن الشعراء والكتاب يَجْسرُ إذن على أن يُصحِّح له كلمة، أو يُشير عليه بنصيحة؟
وربما جاءني بعض هؤلاء الكسالى فعرضوا عليَّ شعرًا أو نثرًا، فأرضى أن أُضيِّع وقتي ثم أستحسن ما هو حسن أو مبشر بالإحسان، وأنصح لهم بما أراه من وجوه النصيحة، وما هي إلا أيام حتى أعثُر في إحدى الصحف بإحصاء عن الأدباء المعاصرين يكون فيه الأدباء المعاصرون: طه حسين، وهيكل، وسلامة موسى، والمازني، وكل أديب أو مُدَّعٍ أدبًا، إلا العقاد المطرود من رحمة الله! فأضحك من هذه الصبيانية، وأعجب لعقول هؤلاء الكسالى الذين يحسبون النبوغ ثناء بثناء، أو اتجارًا بقوائم الإحصاء في سوق الدجل والرياء!
وفاتَهم أنهم لو عادوا إليَّ ألف مرة لما سمعوا مني غير النصيحة الأولى بعينها، ولتكن الملايين الأربعة عشر كلها أدباء في القائمة التالية … ما عدا واحدًا هو أنا المستثنى من سِجِلِّ الأدباء!
وقد يكون في سماسرة الأدب مَن ليس بصحفي قديم ولا بمتأدب ناشئ، ولكنه يتجر بالصحافة، فيجب أن يسخرك لكل احتفال يُقيمه، أو مجلة يعمل فيها، ويخيل إليه أنه قادر على أن يستعبدك لأحاديثه وأغراضه ومحاوراته … وإلا فجزاؤك التشهير وسوء التقدير.
ومنهم من يستر العداوة الحزبية بالآراء الأدبية، بل منهم من هو صنيعة الشيوعيين يسخرونه في الإزراء برجال الديمقراطية المحبوبين؛ لأن الإزراء بهؤلاء الرجال سُنَّةٌ معترف بها في برنامج الدعاية الشيوعية، لا يخجلون من ذكرها في الكتب والنداء بها على المنابر.
ومنهم من يَمْضي مع الحسد والضغينة، وكلما امتلأ قلبه بإكبار إنسان اشتد ضغنه عليه، واشتدت رغبته في تنقُّصِه والإساءة إليه، وسيرى القراء عجبًا من أمر هؤلاء … يدرسون فيه بعض الأخلاق، ويخرجون من دراستهم بنتيجة لا تخلو من العبرة والفكاهة.
فأحد هؤلاء رجل منكوب يُسمَّى إسماعيل أفندي مظهر، كان يطبع في القاهرة مجلة تسمى العصور: همُّ هذا المنكوب الأول أن يُشبه العقاد … وهمُّه الثاني أن يزول العقاد من صفحة الدنيا، فلا يُرَى له شخص، ولا يُسمَع له بخبر.
أكتب عن ابن الرومي فيكتب هو عن ابن الرومي.
أكتب عن بشار والمتنبي والمعري، فيكتب هو عن بشار والمتنبي والمعري، وإنه ليكتب عنهم وما يحسن أن يقرأ بيتًا أو بيتين قراءة صحيحة، وما يبلغ ما حفظ من شعر العرب مائة بيت.
وسمَّيت كتابًا لي بالمطالعات، وكتابًا آخر بالمراجعات، فإذا هذان الاسمان عناوين في مجلته، أو مضغة يلوكها في كل مقال.
ولما حار في أمره ولم تغنِ عنه هذه المحاكاة الزائفة خطر له أن العقاد إنما اشتهر لأنه يكتب في صحيفة وَفْدِية … فتطوع هو للكتابة في زميلتنا «كوكب الشرق» عدة أشهر بغير جدوى.
فما شأن العقاد في نفس هذا المنكوب؟ هو بلا ريب كل شيء.
وما العقاد في لسان هذا المنكوب ودعواه؟ هو لا شيء على الإطلاق، أو شيء لا يذكر بين الأسماء، وليس مما أُلام عليه أنا أن تُطبع بعض النفوس على هذا الغرار.
***
وزميل آخر لهذا المنكوب الأول هو المنكوب الثاني مصطفى صادق الرافعي — زاده الله من كل ما فيه — ما كتب هذا الرجل حرفًا عني إلا ليقول: إنني لست بكاتب، ولست أُحسنُ فهم الشعر والبلاغة.
وما كتبتُ حرفًا في النقد والبلاغة إلا سعى إليه يقرؤه ويحفظه ليسرق منه ما يصل إليه عقله الكليل …!
فمنذ أشهر كتب عن شوقي مقالًا ينكر فيه الشعر على المصريين كافة، ويصفهم بالعقم وجمود القريحة، فلما غضب القراء والناقدون لهذه المسبَّة الغليظة وَثَبَت السرقة على لسانه وقال: إنه إنما يروي ما كتبه العقاد …
فهو يحفظ كلامي ويتجاهله، ولا يعترف به إلا حين تسوء نيته، ويحسب أن في نسبته إليَّ غضاضة عليَّ …! فهو خاطئ الفهم، سيئ النية، كاذب اللسان، ولولا ذلك لعلم أنني أقول عن حلقات الريفيين في «كتابي ساعات بين الكتب» أن «مَن شهِد تلك الحلقات، ومن سمِع ذلك الغناء، ومن لمس ذلك الجَذل المخزون في قلوب أبناء تلك الأقاليم … صَعُب عليه أن يُستمال إلى الدلائل التي تُنكر الشاعرية على سليقة المصريين، بل من رأى فلاح الصعيد يُسرع إلى تسجيل كل حادث في حياة القرية بالنظم والنشيد فإذا هو الشاعر، وإذا هو الملحن، وإذا هو المغني المنشد؛ عَزَّ عليه أن يصدق التواريخ والأسانيد إذا هي قالت له يومًا: إن هذه النفوس خلوٌّ من ملكة الفن، محجوبة عن وحي القصيد.
ولقد تروعك بين تلك الأغاني الساذجة لمعات كخطف البرق من متعة الحياة، وسكر الطبيعة، وحنين المجهول ترتفع إلى ذروة الشعر، وتومض بين أسمى الجواهر التي تجلوها قرائح العبقرية والإلهام.»
وهذا هو الكلام الذي فهم منه العليم بأسرار البلاغة أنني أنكر الشعر على سليقة المصريين!
وهو يزعم في كلام نشره في «المقتطف» الأغر أنه يهمل كتبي ولا يلتفت إليها، ولا سيما كتاب «الديوان»، مع أنه قد سرق فصلًا كاملًا من هذا الكتاب …
وإلى القراء شواهد السرقة منقولة عن جزء الديوان الذي أهمله على طريقته البديعة في الإهمال: فقد نظم نشيدًا وطنيًّا فدعاه هذا إلى أن ينقد نشيد شوقي الوطني، فطبع رسالة خاصة لم يُفتح عليه فيها بغير ما كتبناه … نحن الذين لا نفهم أسرار البلاغة كما يفهمها هذا «المهمل» العظيم!
ففي صفحة ٨٠ من الجزء الثاني من الديوان نقول: «قلنا في نقد نشيد شوقي: إن النشيد القومي يجب «ألا يكون وعظًا، بل حماسة ونخوة، وأن يكون موضوعًا على لسان الشعب».» فرجع صاحبنا — أبو عمرو — إلى نشيده فحوَّر منه ما استطاع بضمير المتكلم فقال:
إلى العلا في كل جيل وزمن
فلن يموت مجدنا كلا ولن
وقد كان هذا البيت في الطبعة الأولى:
إلى العلا في كل عصر وزمن
فلن يموت مجد مصر لا ولن
ولما أن طوى هذا الضمير، ووثق من مواراته، ونفض عن يديه ترابه، وقف بين الناس كأن لم يصنع شيئًا وصاح يؤنب شوقي لقوله: «على الأخلاق خُطُّوا المُلْك وابْنُوا … إلخ.» ويسأله: «وممن هذا الوعظ يا ترى؟ أمن الشعب لنفسه، أم من شوقي للشعب؟» (ص٧٩)، كما سألناه نحن من قبل: «فمن الذي يأمر المصريين هنا ويناقشهم هذه المناقشة؟!» وكما أخذنا عليه «أنه استوطأ مطية الفلسفة والمواعظ.»
وأنكرنا من نشيد شوقي أنه «قد حسب أننا سنظل طوال الدهر كدأبنا في يومنا هذا، فنظم لنا نشيدًا لا نتخطى به في جميع العصور أن يتهيأ مكاننا، وأن لا نبرح نشرع في التمهيد.»
فجاء أبو عمرو الببغاء فقال: «وإذا قيل اليوم لبني مصر: هيا مهدوا للملك، ومكانكم تهيأ، فهل يقال لهم هذا بعد مائة سنة، وبعد ألف سنة، وما شاء الله، وإلى آخر الدنيا، ولا يزالون الدهر كله في تمهيد؟»
وعقَّبنا على قول شوقي عن الشمس: «ألم يك تاج أوَّلكم مليكًا؟ بأن الشمس لم تكن تاج الفراعنة، وإنما كانت معبودًا لهم، وكانوا يزعمون أنهم من سلالتها.»
فعلمت الببغاء أيضًا «أن زعم شوقي أن هذه الشمس كانت تاجًا أوَّله خطأ بيِّن، وإنما كانوا ينتسبون إليها ويعبدونها!»
وعِبْنا على شوقي تخفيف الهمزات، وأنه صيَّر سئلت سيلت، وتهيأ تهيا، وشيئًا شيا، فلم ينسها أبو عمرو وجعل يقول: «وهذا التسهل في همزة سيلت لم يفهمه إلا القليل.»
وروينا أن بعض الملحنين والظرفاء يستقبحون تلحين «تطاول عهدهم عزًّا وفخرًا.» لأن التنوين لا بد أن يسقط في الإنشاد … فروى هو كذلك عن الأدباء والملحنين أنهم «تنادروا بقوله: فخرًا، وجعلوا الكلمة معرض نوادرهم وقالوا: إنها مما لا يذوقه أحد الشعراء من طعم كلامه.» قال: «ولسنا بسبيل هذا السخف فلندعه …» لأننا نحن أيضًا قلنا بعد ملاحظتنا: «ولسنا نحن ممن يبالي بهذا النوع من النقد، ولكننا نعذر المنشد.»
واستضعفنا هذه المقطوعة:
لنا الهرم الذي صحب الزمانا
ومن حدثاته أخذ الزمانا
لأن الناظم ساقها مساقًا ليس فيه «من نشوة الفخر ما تهتز له النفوس.»
فاستضعفها صدانا الواقف لنا بالمرصاد وتلفت متعجبًا «كيف غفل شوقي عن أن يحتال للفخر بهذا المعنى الضخم.»
ونقلنا عن بعض أعضاء اللجنة أنه لما تليت عليهم هذه المقطوعة:
على الأخلاق خطوا المجد وابنوا
فليس وراءها للعز ركن
أليس لكم بوادي النيل عدن
… … … … إلخ
قال: «إن البيت الثاني مُنْبَترٌ، وسأل: ما العلاقة بين النصح ببناء المُلك على الأخلاق وتشبيه وادي النيل بعدن والكوثر؟»
فترك مصطفى صادق الرافعي القائل والراوي، وزوى وجهه عنهما وصاح وحده: «كلام مقطوع عما قبله.» وسأل من لدنه سؤاله: «فإذا كان لهم بوادي النيل عدن وكوثرها فماذا؟» (ص٨٠).
ونقلنا عن آخر نقده لهذا البيت:
جعلنا مصر ملة ذي الجلال
وألَّفْنا الصليب على الهلال
ووافقناه فقلنا: «وهو انتقاد سديد؛ فإننا إن سمينا الوطن ملة ذي الجلال فماذا يكون الإسلام والمسيحية واليهودية؟»
فوضع الرافعي أصابعه في أذنيه واستكبر استكبارًا وكأنه لم يسمع بهذا النقد، فراح يقول: فإذا «زعم أنه يريد ملة ذي الجلال الدين مطلقًا، قلنا له: فإن القوم على ذلك لا يزالون بين مسلمين ومسيحيين وإسرائيليين، وكل هذه الأديان ملة ذي الجلال» (ص٨٤).
هذا كله ولا إشارة إلى الديوان ولا كلمة يستشف منها أن أحدًا تَقَدَّمه إلى هذا النقد، بل لعله قصد إلى ادعائه عنوة فكتب على الرسالة: إنها طبعت في نوفمبر، ونسي لغفلة ذهنه أنه ضمنها في صفحة ٦٧ كتابًا للأستاذ منصور أفندي عوني مؤرخًا في ١١ ديسمبر …»
انتهى ما نقلناه عن الجزء الثاني من كتابنا الديوان … الذي أهمله السيد المهمل العظيم على طريقته البديعة في الإهمال.
فرجل هذا إيمانه بما أكتب، وهذا اطِّلاعه عليه، وهذه فائدته منه، ماذا تسمي جنونه بالتخبط في كل صحيفة ينكر عليَّ أنا مَلَكة النقد وتمييز الكلام؟ وأي وصف توصف به هذه السخيمة التي رانت عليه وغمست نفسه في هذا السواد الوبيء؟
ومن مصائب الدهر أن «يطلع في دفاع» هذا المطموس أنه هو كاتم أسرار البلاغة التي تفضي إليه بهمسها، وتوسوس له بلحنها، وهو لا يسمع عنها ما تقول ولو خاطبته من وراء بوق … وهو لم يجاوز في قراءة العربية عشرين كتابًا من كتب الجمهور، وهو لا يعرف من قواعد النحو «الابتدائي» ما يعرفه صغار التلاميذ.
كتب في المقتطف يُخطِّئ قول شوقي: «إن رأتني تميل عني.»
لأن الصواب في زعمه «تمل» لا تميل، فصححنا خطأه وأريناه أن البيت صحيح بإجماع النحاة، فهل علمتم ماذا قال المسكين حين لزمته الحجة ووضح ادعاؤه في مسألة ملموسة لا يجوز فيها المغالطة ولا الرجوع إلى دعاوى الأسرار والألغاز؟
قال: إن البيت خطأ وإن أجمع على صوابه النحاة منذ وجد النحو إلى اليوم! وإنه هو وحده على صواب؛ لأنه اخترع نحوًا جديدًا في القرن العشرين!
وإلى القارئ ما كتبه هذا الدَّعيُّ بنصه؛ لأنه من وراء التصديق، قال — أخجله الله؛ فإنه لا يخجل إلا بمعجزة إلهية: «ولكن مع ورود هذه القاعدة في كل كتب النحو لا يزال بيت شوقي عندنا غلطًا؛ لأننا لسنا من الذين يعرفون النحو معرفة النقل من الكتب.» ثم قال: «فيخلص من كل ذلك أن أقوال النحاة ساقطة كلها، وأن الأساس الذي بنيت عليه من السماع مجهول …»
فصاحبنا يرتجل النحو ارتجالًا، ولا ينقله من الكتب التي أجمع عليها النحاة، ومن هنا لا عجب أن يُخطِّئنا بنحوه المرتجل هذا؛ لأنه إذا تكشف له خطؤه عاد فارتجل غيره للتوِّ والساعة، فنكون مخطئين وإن أيَّدتنا كل كتب النحو! ويكون هو مصيبًا وإن لم يقرأ من النحو ما يقرؤه صغار التلاميذ.
وإن من أخطائنا في هذا النحو المرتجل ما رمانا به هذا المخترع في قوله:
وفي صفحة ٧٧: الآن فاذهب تستريح. ولا معنى لرفع جواب الطلب هنا؛ لأن الذهاب سبب في الاستراحة …
وفي صفحة ٩٠:
ألقَى لهن بقَوسه
قُزح وأدْبَر وانصرف
فلبسن من أسْلابه
شتَّى المَطارف والطرف
فقزح لا يلقي قوسه أبدًا؛ إذ لا يفصل منه، قال في اللسان: ولا يفصل قزح عن قوس … فإذا امتنع فكيف يقال: وأدبر وانصرف؟
أرأيت إلى هذا الذي يحمي لغة القرآن ويتلقف نكات البلاغة وهي طائرة كما يقولون؟ أردنا أن نقول: إن «قزح» الذي لا ينصرف قد انصرف هنا في موقف الإعجاز وترك ألوانه يتناهبها الحسان، فظن صاحبنا العليم بأسرار البلاغة أننا جعلنا «قوس قزح» يرمي بإحدى كلمتيه، ويحفظ لنفسه الكلمة الأخرى! فماذا يصنع الحسان بإحدى الكلمتين أو بالكلمتين معًا يا مطموس! ومن الذي يزعم أن «ألوان طيف الشمس» لا تنفصل عن قوس السحاب يا أعمى البصيرة؟
وقد وهم الجاهل أنه جاءنا بشيء لا نعلمه من النحو ونحن قد كتبنا في نقد قمبيز في الصفحة اﻟ ١٥ من رسالة طبعت قبل سنة: «ويقول: قزح، ولا تذكر قزح إلا مع قوس … ويقول بلسان يئتياس وهي تخاطب قمبيز ليمنع فابنس الكلام:
علمت حقده على قومي فلا
تدعه ينفث فيَّ سم حقده
وجزم ينفث خطأ متفق عليه؛ لأننا لا نستطيع أن لا ندعه ينفث، إذ المعنى نقيض ذلك.»
فنحن إن كنا نجهل النحو المرتجل الذي يخترعه الجهلاء، فليس بنا جهل النحو الذي لم تنسخه بعد سنة الارتجال، وإذا كان النحو «الأمريكاني الحديث» يُخطِّئنا في ضم «تستريح»، فالنحو العربي المتفق عليه يقول: إنها صواب؛ لأن المعنى هنا اذهب لكي تستريح! ومثل هذا الوضع جاء في القرآن الكريم ().
وانتقدنا حامي لغة القرآن — حمَى الله منه القرآن ولغة القرآن — لأننا قلنا:
صلة للخلود تأسى عليه
أخلد الخالدين فينا دعي
وعنده — وحْدَه طبعًا — أن «أخلد الخالدين بيِّنةُ الغلط؛ إذ لا يأتي التفضيل إلا من فعل يقبل التفاوت حتى يكون شيء أفضل من شيء، والخلود لا تفاوت فيه وإلا فليس خلودًا …»
هكذا فضح البلاغة هذا «الكاتم» المذياع للأسرار الفاضحة … وغاب عنه أن الخلود هو الدوام، فإذا جاز التفاوت في الدوام جاز التفاوت في الخلود، وقد جاء في الحديث الشريف: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ.»
فما رأي صاحبنا في كلام النبي عليه السلام؟ أيُخطِّئه كما خطَّأ النحاة جميعًا وكما خطَّأ ابن قتيبة ليصل من ذلك إلى الحكم علينا بالخطأ في بعض الكلمات؟ أنراه يخرج من دينه لنخطئ نحن في كلمة، أم يبقى فيه ليسيء إلى لغة القرآن فوق ما أساء؟
على أن الخلود يتفاوت في الصفة إذا فرضنا أنه لا يتفاوت في المدة، فخلود الله غير خلود النفس الإنسانية، وغير خلود الشيطان، وخلود الشاعر بديوان كامل غير خلوده ببيت واحد، وخلود الممرور لشهرة الغفلة غير خلود الحكيم بشهرة السداد، فليأخذ عنا كاتم الأسرار هذا الدرس، و«ليهمله» بعد ذلك على طريقته من الإهمال …!
ونحن مخطئون عند «النحو الأمريكاني الحديث» لأننا قلنا:
وإذا الدهر لم يعرف لذي الحق حقه
فللدهر مني موطئ النعل والقدم
إذ النحو الأمريكاني الحديث يقول: «ومع أن النعل لا تطأ إلا بالقدم.» فلا «هكذا» بأس أن يطأ العقاد دهره مرة بالنعل ومرة حافيًا … لفرط غيظه من شوقي، ولكن هل هذا المعنى إلا قول العامة أدوسه بالجزمة؟ وإذا لم يكن في السقوط بالشعر أسقط من هذا، فهل في الرغبات الحمقاء أحمق من رغبة دوس الدهر بالجزمة؟
ويلوح لنا أن صاحبنا حديث عهد بلبس النعال، فهو يظن أن من ظفر بنعل لم يخلعها من قدمه حتى على فراشه، أو يظن أن من ظفر بنعل وضعها تحت إبطه ولم يلبسها في قدمه. والحقيقة التي يعرفها لابسو النعال أن ليس كل ما تمسه القدم يمس بالنعل، ولا كل ما يُمس بالنعل تمسه القدم، فإذا اجتمع ذكرهما معًا فذاك مضرب المثل!
ولا ضير أن يتفق تعبير العامة وتعبير الخاصة؛ فإن العامة تقول للحبيب: «يا نور عيني.» وما من شاعر إلا وردت له هذه العبارة أو شبيهها، وإنما الضير أن تشعر شعور العامة وتعيش بأخلاق لا تعلو على أخلاقها. أما أن تستخف بالشهرة إذا جاءت من غير سبيل الحق والمروءة، فليس ذلك من آداب العامة في شيء، وقديمًا قال الكتاب والشعراء: «على الدنيا العفاء، ولأنف الحاسد الرغام.» وليس العفاء والرغام إلا موطئ النعل والقدم، فلم يزعم أحد أنهم طوقوا كلامًا من كلام العوام غير عامي هذا الزمان.
أما إن كان لا بد من اختراع في العبارة كاختراع صاحبنا في النحو، ففي المرة الآتية سنقول: «وللدهر منا رأس مهذارنا الأصم!»
فنُرضي بذلك الاختراع والمخترعين!
***
ومن شعور العامة أن نضيق بأمثال هذه المقابلات:
هي كأس من كئوس الخالدين
لم يَشُبْها المزج من ماء وطين
فالطريف الخفيف مصطفى صادق الرافعي «ينكِّت» فيقول بعد ذكر هذا البيت: «ماء وطين؛ أي وصل عند ذكر القبلة من فم الحبيب: أهذا كلام يوضع في الشعر، أم يوضع في عربات نقل الوحل ويكنس موضعه من اللغة …»
يا دم حضرة الظريف الخفيف مصطفى صادق الرافعي …! أي تنزيه للقبلة أنزه من أن تكون صافية كصفاء الخالدين، ثم لا يشوبها كدر الإنسان المخلوق من الماء والطين؟! ومَا لَك ولِعربات الوحل تُنبِّهها لواجبها، وهي لو تنبَّهت له لأصابك من ذلك ضير عظيم؟!
لقد كان ملوك الفراعنة الأقدمين في أعلى ذروة الترف والحضارة ينعمون في ولائمهم وأعراسهم بأطيب النعم، وينظرون إلى أحسن المحاسن ثم يأمرون «بجيفة» تُساق إليهم وهم غارقون في نضرة الحياة، فما قال أحد: إن اتِّساع النفس لهذه النقائص والمقابلات من نقائص الأذواق، وإنما يقوله العامة والأحلاف المحدثون في صناعة «الذوق» … وأمثال هذه «الرقائق» المصطنعة هي التي نريد أن نقضي عليها، ونستبدل بها أذواقًا تحس الحياة كما يحسها الأصحاء لا كما يحسها «المتورمون» أو يمسها «المتظرفون».
ولهذا قلنا ونقول في وصف القُبلة أنها:
هي كأس من كئوس الخالدين
لم يشبها المزج من ماء وطين
ويُنكِّت الظريف الخفيف مصطفى صادق الرافعي وهو لا يفهم ما يقال، ولا يدري ما يقول.
فمن نُكَته — حمانا الله — قوله: «من حشاء شعر العقاد قوله في صفحة ١٥:
تشقق من فيك عطر السماء
أو نكهة العنب الناضج
فلو قلت أطعمتني قبلة
لأنبأت عن صدقي الطازج
هذا صدق طازة ومعنى طازة، ففي أي عصر نحن من عصور اللغة العربية؟» فالظريف الخفيف مصطفى صادق الرافعي لا يفهم معنى كلمة «الطازج» هنا، وهي أصح كلمة توضع في هذا المكان، ولا سيما إذا لاحظت أن البيتين منشوران في باب الفكاهة من الديوان، ونحن والذين يفهمون مخطئون، والظريف الخفيف مصطفى صادق الرافعي هو وحده المصيب!
ويقيس القارئ على ما تقدم قول هذا المطموس ينتقد هذا البيت:
فيك مني ومن الناس ومن
كل موجود وموعود توءم
وبماذا ينتقد المطموس هذا البيت؟
قال: «لأن مِن كل موجود البق والقمل والنمل والخنفساء والوباء والطاعون والهيضة وزيت الخروع والملح الإنجليزي إلى واوات من مثلها لا تُعدُّ.»
فبهذا العقل الذي لا يحلم بغير هذه الأقذار يريد كاتم أسرار البلاغة أن ينقد الشعر والشعراء!
ويمينًا إني لزعيم أن يخرج المطموس من دينه حقدًا عليَّ، وعجزًا عن إصابتي بما يريد، فها أنا ذا أُذَكِّر حامي لغة القرآن بأن القرآن يقول: ()، فما رأي رفيق القمل والنمل والخنفساء في هذا الاستقصاء؟
واحدة من اثنين: إما أن تطلع من دينك أو يكون العقاد على صواب، ولا أدري أيهما أهون عليك!
***
وهذا المنكوب لا يعرف كلمة من الإنجليزية، ولكنه يعرف الحقد على العقاد، وكل ما يعيب العقاد فهو صحيح ولو نطقت به القمل والنمل والخنفساء.
وقد روى عن إحدى المجلات أنني سرقت قصيدة «غزل فلسفي» من قصيدة شلي أبيسكديون، وسرقت قصائد الآثار من تيوفيل جوتيه … روى هذا وصدَّقه مع أنه لا يعرف الإنجليزية، ومع أن الزاعمين لم يجسروا على ترجمة بيت واحد من تلك القصائد التي زعموا أنني سرقت منها! ولكنه يحقد على العقاد، فسحقًا إذن للأدلة والبراهين، ومرحبًا بكل تهمة يفتريها المفترون جزافًا بغير دليل!
أفتدري يا حاسدي المسكين لماذا لا أسرق من شلي أو من تيوفيل جوتيه؟
إن كان في ذرات لحمك ودمك يا حاسدي المسكين ذرة واحدة لم يهرأها الحقد عليَّ؛ فاعلم إذن أنني لست أفعل ذلك لأنني لست أحب أن أبادل شلي وجوتيه أو شاعرًا كبيرًا أو صغيرًا بما أقول. فأنا أكتب وأنظم لأعبر عما في نفسي، لا لأنقل ما عبر به الناس، ولو أردت السرقة لاتسع لي مجالها كما يتسع لكثيرين، ولكني لا آخذ ما يكتبه الكاتبون وينظمه الناظمون ولو عرضوه عليَّ حلالًا غير ممنون، وفي حيرة الذين يتهمونني — مع حرصهم على اتهامي بالسرقة — دليل على صدق ما أقول، وكذب ما يقولون.
فمن شاء أن ينفجر غيظًا بعد هذا؛ فلينفجر حيث شاء بعيدًا من الأدب، وبعيدًا من القراء.
إنني لا أعمل غير أن أكتب فيقرأ الناس، ما احتَلْتُ قط على الشهرة بحيلة، ولا توسلت إليها بغير هذه الوسيلة؛ فإن بلغ جنون الضغينة ببعض الموتورين أن يطلبوا مني كف الناس عن قراءتي؛ شفاءً لضغنهم، وقضاء لوترهم، فالطالب مجنون، وليس المستمع بمجنون!
لقد مضى زمن اللغو، لقد مضى زمن السمسرة، لقد مضى زمن الشهرة بأمثال هذه الأساليب. لقد نشأ في العالم العربي قراء لا يأخذون بالأوهام، ولا يدينون بعبادة الأصنام، فإن كان الرافعي وأضرابه يحسبون أنهم قد نالوا من كاتب هذه السطور منالًا في العالم العربي بما لوَّثوا به صفحاتٍ من الرسائل والمجلات، فليسمعوا كلمة الأديب التونسي الأستاذ محمد الحليوي في صحيفة الزمان؛ إذ يرد على سفاهة الرافعي في إحدى المجلات فيقول:
أما العقاد فحسبك أن أبحاثه في الأدب ومقاييسه في النقد قد وجهت الأدب العربي بحق إلى وجهة جديدة، وأماطت اللثام عن أصنام من خشب، وجبابرة من طين، وحررت العقول من عبودية أمساخ الغيور، وأحلاس القديم الذين قيدوا حركة الأدب وقتلوا فيه كل روح.
العقاد! إنه والله لحسنة من حسنات هذا الدهر، وجبار من جبابرة الفكر، وإن كره إمام الأدب.
العقاد! والله إن النزهة في كتبه الخالدة لهي لذة الحِجا، وهزة القلب، وفرحة العين، وسعادة الكيان.
العقاد! والله ما فتحت ديوانه إلا نَبَض قلبي نبضًا، واتسعت آفاق الحياة أمامي؛ لأنه على الرغم من صلابة مبانيه، ودقة معانيه، يخلق في نفس القارئ ذلك الجو الشعري الذي يهبك إلى أنك أمام شيء حي يتناول ما في الحياة، ويتسع لكل ما في الحياة.
أين بنانك وسنانك يا إمام الأئمة، وحبر الأمة، لتؤلف لنا كتابًا عن أستاذك الجاحظ، الذي ما تنفك تشعرنا بأنك تخرجت عليه، وملكت أعنة بيانه؟ فقد شرع لك العقاد السبيل بكتابه عن ابن الرومي، ولو شاء لتحداك به وحده، فهو ورب الكعبة وكل أدبك وشعرك — وهنا موضوع إن أطلته طال، وإن أقصرته لا يقصر — فليكن آخر القول في كتاب «إمام الأدب العربي».
إنه كتاب لو آض كل ما فيه إلى مدلول ألفاظه، ومسميات أسمائه؛ لأعجز جميع عربات المجالس البلدية عن حمله إلى حيث تُلقى المزابل والقاذورات. ويرحم الله الشاعر الذي قال: «وكل إناء بالذي فيه ينضح.»
فليكتب الرافعي ما ينضح به إناؤه وإناء أمثاله؛ فقد عرف أدباء تونس وغير تونس مكانه من عربات المجالس البلدية قبل أن يعرف هو مكانه من تلك العربات، وسيزداد الناس علمًا به وبي كلما ازداد.

Saturday, July 4, 2015

شوقي أو أسلوبان في النقد - مجلة الجهاد - ١٧ يناير ١٩٣٣


على ذكر رسالة «شوقي» للأستاذ أنطون الجميل.
أحمد شوقي
أنطون الجميل
تعميم الأحكام على الأمم عرضة للخطأ في جميع الأحوال، فإذا قيل: إن الألمان موسيقيون أو أنهم أعرف بالموسيقى من الروسيين فقد يخطئ هذا الحكم حتى نرى من الألمان من لا يفقه الموسيقى، ونرى من الروسيين من يتفرد بالعبقرية الموسيقية في عصره، وإذا قيل: إن الترك أهل شجاعة، فقد يخطئ هذا الحكم حتى يكون التركي جبانًا يضرب به المثل في الجبن بين قومه وغير قومه، ولا مناص من هذا الخطأ في وصف الأمم لأسباب شتى.
منها أننا لن نجد في الأرض أمة واحدة من أصل واحد، ومتى تعددت الأصول فمن الصعب، بل من المستحيل أن تتشابه الصفات في الجميع، ومنها أن الناس من أصل واحد يختلفون أحيانًا كما يختلف الناس من عدة أصول، فرُبَّ رجلين أحدهما من أقصى الشمال والآخر في أقصى الجنوب يتقاربان في الخصال والملامح كما لا يتقارب الأخوان الشقيقان.
لكن الخطأ في الأحكام العامة لا يمنع أن تكون هناك أحكام عامة تَصدُق على الجملة، وتؤخذ على هذا الاعتبار، فإذا لم يكن لنا مناص من الخطأ في التعميم، فليس لنا كذلك مناص من بعض التعميم في مسائل الشعوب والأقوام.
على هذا لا بأس أن نطلق حكمًا عامًّا على مدرستين كبيرتين من مدارس النقد الأدبي الحديث في البلاد الغربية؛ وهما: مدرسة اللاتين، وشعارها عندنا «الأناقة»، ومدرسة السكسون، وشعارها عندنا «البساطة» أو «الفطرة»، ولكل منهما أنصار وأتباع بين كتَّاب العربية يمثلونها من حيث يشعرون أو لا يشعرون.
تقرأ الناقد الفرنسي وكأنما تتخيل أمامك ظريفًا باريسيًّا يقدم رجلًا من معارفه إلى «صالون» أو جماعة من جماعات الأندية، فهو في وصفه لهم يعرفهم قيمته «العرقية»، ولا يُعنى كثيرًا بتعريفهم قيمته الحقيقية، أو هو يُعرِّفهم قيمته على حسب الأوضاع والمراسيم الجارية، ولا يلتفت كثيرًا إلى ما وراء ذلك من القيم الخفية التي لا يعنى بها في المجالس والعلاقات الاجتماعية.
وقد يومئ إلى عيب من عيوبه لتكون الغمزة نكتة مستملحة، أو معرضًا للباقة التعبير والتورية البليغة، أو ليكون الدفاع عنها براعة في المحاماة والتخريج، وليس من الضروري أن يكون براعة في تقرير الواقع والنفاذ إلى الحقيقة.
وإنك لتقرأ الناقد السكسوني فكأنما تتخيل أمامك دليلًا يرشدك إلى رجل يعنيك أن تعامله، وتطَّلع على جميع شأنه، أو يرشدك إليه وهو على سجيته كما يكون في قافلة السفر، أو بين خاصة أهله، أو منفردًا بنفسه، فلا يتكلف لملبسه ولا مأكله ولا مظهره، ولا يبرز للمجمع في أجمل أزيائه. قد يتكلف التكلف الإنساني الذي يلزم الإنسان في جميع حالاته، ولا يتكلف الكلف الاجتماعي الذي وضع له أصولًا مرسومة وقواعد معلومة.
وقس على ذلك أبطال الفريقين في القصص والروايات من تمثيلية وغير تمثيلية؛ فبطل الرواية الفرنسية هو دائمًا عضو في «مجتمع» تعرفه بهذه الشارة قبل أن تعرفه بصفة أخرى، فهو إما زوج، أو خطيب، أو مدير مصرف، أو ضابط في فرقة عسكرية، أو داعية إلى ثورة في السياسة أو الاجتماع، ثم تأتي بعد ذلك خصاله «الإنسانية» التي تنطوي في مظاهره وشاراته كأنها تبع غير مقصود لذاته.
وبطل الرواية السكسونية هو دائمًا «رجل» قبل كل شيء، أو امرأة قبل كل شيء، رجل تعرفه بطبائعه وأخلاقه قبل أن تعرفه بوظائفه وشاراته، فهو طامع أو قانع، وطيب أو خبيث، وشجاع أو جبان، وصارم أو وديع، ثم تأتي بعد ذلك علاقاته الاجتماعية في سياق الرواية كأنما جاءت عفوًا واضطرارًا، أو كأنما هي كذلك تبع غير مقصود.
***
عنت لي هذه الخواطر وأنا أقرأ الرسالة الطريفة التي دبجها الكاتب الألمعي الأستاذ أنطون الجميل عن «شوقي شاعر الأمراء»؛ فإن الأستاذ الجميل أحسنُ مثال للمدرسة اللاتينية بين أدباء العربية، ولا سيما في العهد الذي تلقَّى فيه دروسه واستهل حياته الأدبية، ولا يخفى أن ثقافة اللاتين قبل ثلاثين سنة تُباين ثقافتهم في عهدنا الحاضر؛ إذ يميل الأدباء ميلًا ظاهرًا إلى الفطرة والبساطة، ويقل من يقتدي بشعراء فرنسا وبلغائها في القرن الثامن عشر وما قبله.
فالأستاذ الجميل يقدم لنا الشاعر في هذه الرسالة كما يقدم الظريف الباريسي صاحبه إلى جماعة الصالون: مجاملة «اجتماعية» في كل سطر من السطور، فإن كان لا بد من غمزة فهي الغمزة التي تعود في ثنايا الكلام نكتة مستملحة، أو تتيح للكاتب فرصة اللباقة في الدفاع الذي يعقبه تبادل الشكر والابتسام!
ولم يعنَ الكاتب الأريب بدرس «شوقي» عنايته بعرض القواعد والشارات التي تتصل بشوقي ومقاصد شعره، فشوقي في هذه الرسالة موضوع تدور حوله القواعد والآراء، وليس بإنسان مقصود لذاته من وراء النقد والعرف والمصطلحات، ومع هذا لم يوفق الكاتب في المطابقة بين الموضوع وقواعده أقل توفيق.
مثال ذلك: قال الأستاذ الجميل عن مدائح شوقي: «أما مغالاته في هذه النوع من الوصف، ووضعه الرجال الذين يصفهم — مدحًا أو رثاء — فوق عامة البشر؛ فإنه يرجع إلى وضعه الناس كما يجب أن يكونوا لا كما هم؛ ولهذا المذهب الأدبي أنصاره، وحامل لوائه الشاعر الفرنسي كولونيل في رواياته التمثيلية، ونقيضه فيه معاصره الشاعر راسين، فقالوا: إن الأول صوَّر أبطال رواياته كما يجب أن يكونوا، والثاني صوَّرهم كما هم؛ لذلك نعجب بأبطال الأول، ونحب أبطال الثاني.»
فالأستاذ الجميل هنا محام يفسر «المادة» في مصلحة موكله، وليس بناقد أو قاضٍ يعنيه أن يصل إلى الحقيقة، والأستاذ الجميل هنا يستخصر القاعدة، ولكنه يخطئ سبيل التطبيق، ويخرج بالقاعدة عما وضعت له في الأدب والأخلاق.
إن الشاعر في حِلٍّ من أن يصف أبطال الخيال كما يكون الناس في عالم الواقع المشهود، أو كما يجب أن يكونوا في عالم يتخيله ويتمناه. وهذا إذا كان الشاعر ينظم لنا قصة مبتكرة، أو يصور لنا أسطورة موروثة، أو يخترع لنا أبطالًا لا وجود لهم في غير أحلامه وأمانيه، أما إذا كان يصف لنا إنسانًا حيًّا معروفًا، فكيف يعقل أن يصفه كما ينبغي أن يكون لا كما هو كائن معروف؟ إنه إن وصفه بغير أخلاقه لم يصفه، وإن وصفه بأخلاقه لم يستطع أن يظهره لنا كما يجب أن يكون … وها هنا مثلٌ: رجل متوسط الشجاعة، ولكنه مفرط الشح والكزازة، أو مفرط في الغدر وسوء النية، فإذا مدحه الشاعر كما ينبغي أن يكون وجب أن يقول فيه: إنه أشجع الشجعان، وأكرم الكرماء، وأوفى الأوفياء، وإذا هو مدح الشجاع الحق، والكريم الحق، والوفي الحق، لم يستطع أن يقول فيه غير هذا المقال، ولم يكن ثمة فرق بين الناس في المناقب والخصال، فهل هذا ما يسميه الأستاذ الجميل «مدرسة» المثاليين الذين يصدقون الوصف بأي مقياس، وعلى أي اعتبار؟ وهل يبقى بعد ذلك معنى للوصف أو معنى للتمييز بين الممدوحين؟
ومثل آخر من أمثلة هذه القواعد الصالونية قول الأستاذ: «أما تعدد الممدوحين واختلافهم فيشفع بالمادح أنه توخى دائمًا غرضًا واحدًا في مدحهم، فإذا مدح على التوالي السلطان عبد الحميد ورجال الاتحاد والترقي الذين خلعوه، وإذا أطنب بذكر سلاطين الآستانة، فإنه قد غير اسم الممدوح ولم يغير مقصده من المدح، أو إن شئتم قولوا: إنه بدَّل العنوان ولم يبدِّل ما تحت العنوان.»
وهذا كلام إذا أريدت به اللباقة «الصالونية» فهو حسن، أما إذا أريد به النقد وعرفان الناس والأخلاق، والنفاذ إلى صميم الأشياء؛ فهو خلو من كل معنى صحيح، وهو كلام قوله والسكوت عنه سواء، بل وربما كان السكوت عنه أولى بالصدق والإنصاف.
فمنذ وجد المدح في لغات الناس والشعراء يصفون الممدوحين بالصفات الممدوحة المستحبة، لا بالصفات المذمومة المستنكرة، وليس في وسع المتملق أو المنافق أو طالب المنفعة لنفسه أن يفعل غير ذلك في مدح إنسان أيًّا كان هذا الإنسان، فهل إذا جاء شاعر فمدح الشرير بالخير، ومدح الجاهل بالعلم، ومدح المفسد بالإصلاح، قلنا: لا عليه من ذلك؛ لأنه إنما يمدح الإصلاح والعلم والخير، ولا يمدح المفسدين والجهلاء والأشرار؟ ومتى يعاب المدح إن كان هذا لا يعاب؟ ومتى مدح شاعر صادق أو غير صادق إنسانًا فاضلًا أو غير فاضل فقال له: إنك يا أيها الممدوح مذموم لا تستحق الثناء؟ فقاعدة الأستاذ الجميل إذن هي تسويغ لجميع المدائح في جميع الممدوحين لا لشعر شوقي وحده في هذا الباب، وقاعدة الأستاذ الجميل من جهة أخرى هي لباقة دفاع، وليست بقانون صادق للنقد والتقدير.
***
ومثل آخر من أمثلة القواعد «الصالونية» في رسالة الأستاذ الجميل استدلاله بكلام شوقي على طبائعه وسجاياه.
فالاستدلال على الشاعر من كلامه قاعدة صحيحة لا غبار عليها، ولكن تطبيق الأستاذ الجميل لها هو التطبيق الخاطئ الذي أخل بالقاعدة الصحيحة كل الإخلال.
إن الشاعر ليثني على الفضائل؛ لأنه متصف بها، وإن الشاعر ليثني عليها؛ لأنه يجب أن يتصف بها، لا لأنه متصف حقًّا بما يثني عليه.
وإن الشاعر ليثني على الفضائل؛ لأنه يجب أن يشتهر بالثناء عليها، وإن الشاعر ليثني على الفضائل لسبب غير هذه الأسباب، وهو مجاراة العرف، وإرضاء السامعين والقراء.
ووظيفة الناقد هي أن يستدل من كلام الشاعر على حقيقة ثنائه، وأن يبين لنا في أي نوع من هذه الأنواع نسلك دعوة الشاعر أو دعواه.
أما الأستاذ الجميل، فقد أرانا في هذه الرسالة أن أخلاق الشاعر هي الأخلاق التي يثني عليها في شعره؛ فشوقي منصف؛ لأنه قال كذا في مدح عظيم مشهور، وشوقي بريء النفس؛ لأنه قال كذا في إطراء البراءة، وشوقي يفادي في حب وطنه؛ لأنه ذكر المفاداة والوطنية في بعض الأبيات. وليس هذا هو النقد في رأينا، ولكنه قراءة وإحصاء للأبيات المتفرقة لا أكثر ولا أقل، ولو كان هذا هو المقصود بالاستدلال على الشاعر من كلامه؛ لجاز أن تستغني عن النقد بقراءة الكلام.
وقد نطيل تعداد القواعد «الصالونية» في الرسالة لولا أن ما قدمناه فيه الكفاية لتوضيح وجهة نظرنا، والتفريق بين الأسلوبين.
وفي الرسالة ولا ريب ملاحظات صائبة، وآراء دقيقة، وإشارات تشف عن ذوق ومعرفة، وأقوال يتفق عليها القراء من مذاهب مختلفة، ولكنها لا تتعدى كلها باب «الصالون» إلى ساحة الفطرة المطلقة! فالرسالة تعرفنا بشوقي في حلة المساء، أو في لباس «السواريه»، أما شوقي كما خلقه الله، فربما زادنا به أن ننظر إلى تمثاله في كلام الأستاذ الجميل، ونحسب أننا لن نعرف شاعرًا كما خلقه الله في حجرات المدرسة «الصالونية»؛ حيث الأناقة مقدمة على البساطة والفطرة، وحيث يفرحون بالقواعد لأنها قواعد، لا لأنهم يعتمدون عليها في النفاذ إلى ما وراءها، وحيث الشعر متعة حسية قبل أن تكون رسالة من الحياة إلى الحياة.