Sunday, June 28, 2015

مثال نادر- جريدة البلاغ -١١ يوليو ١٩٢٧


كان مثالًا نادرًا في هذا الشرق للحياة العلمية الخالصة، وكان مثالًا نادرًا للصبر والمثابرة، وكان مثالًا نادرًا لطيبة النفس وحسن السيرة، فنعيه خبر لا يُجتَزَأ بذكره في أخبار الوفيات أو في ثنايا الصحف، ولكنه حادث من حوادث العصر تسير به الأنباء وتستخرج منه العظات.
يعقوب صروف
لا نعرف رجلًا في الشرق الحديث قضى حياته كلها للعلم والتعليم، عاكفًا على الدرس بين الكتب والأوراق، لا يشغله عنها شاغل من ملاهي الحياة كما انقضت تلك الحياة المباركة التي انطوت اليوم بوفاة الدكتور صرُّوف، ولا نستثني من ذلك إلا فردًا أو فردين نتمنَّى لهما طول العمر وتيسير الظروف وحسن الإفادة وطيب الجزاء.

ولسنا نعرف مجلة في الشرق كله عمرت ما عمره المقتطف، وأفادت ما أفاده في نشر المعارف وتنوير الأذهان وتحبيب القراء في العلم والدراسة، ولسنا نوليه غير حقه من الثناء حين نقول إنه كان في حياته المديدة خيرًا من مائة مدرسة تعلِّم طلَّابها القشور وتُعنَى بظواهر المعرفة أضعاف عنايتها بالفهم الصادق المفيد.
ولقد كان المقتطف مجلة علم حديث، تخص العلوم بمكانها الأول، وتعرض للآداب من ناحيتها القريبة إلى تحقيق العلم وتجريب العمل، ولكنها على هذا أفادت الأدب خير ما أفادته مجلة في اللغة العربية، ووجهت كثيرًا من القرائح إلى قراءته والشغف به والتوسع فيه، وكاتب هذه السطور يذكر أنه لم يعرف اسم المعري إلا من المقتطف، فكان ذلك أول عهده بقراءة شعره ونثره والبحث في فلسفته وأفكاره.
وكان أول اطلاعي على المقتطف في أعداد منه متفرقة، بعضها قديم وبعضها حديث، رأيت في أحدها مقالًا عن المعري، ومعه — فيما أذكر — مقال عن «الطائر الطنان»؛ فأقبلت من ذلك الوقت على هذه القراءات، وفهمت منذ ذلك الحين أن العناية بالطير والتأمل في خلائق الله ليست بالعبث الذي يلام عليه الصغير، ولا هي بالولع الفارغ الذي يستحي منه التلميذ المجتهد ويتوكل به أهل البطالة، وذكرت له هذه اليد حين كتبت عن المعري بعد بضع عشرة سنة، أدرسه وأقابل بينه وبين دارون وشوبنهور، فوجدت كثيرًا من السرور في أن أكتب تلك المقالات في المقتطف صديق طفولتي القديم، ولَذَّ لي أن أعرِّف أمثالي من الناشئين بالمعري على الصفحات التي عرفت منها اسمه، وتلمَّست منها ذكره وشعره، وإن أمثالي في هذه الفائدة لكثيرون بين قراء العربية من كل قبيل.
رأيت صروفًا — أول مرة — في دار المقتطف والمقطم يوم أن كانت على مقربة من شارع عبد العزيز، ودعاني إلى زيارته أبيات من الشعر قرأتها في رحلة لامارتين إلى الشرق ينسبها إلى شاعر من شعراء لبنان؛ فأردت أن أعرف ذلك الشاعر وأن أطَّلِع على ديوانه إن كان له ديوان، وخطر لي أن أسأل عنه أَوْلَى الناس بمعرفته من علماء لبنان وأدبائه في هذه الديار، فقصدت دار المقتطف واستأذنت على الدكتور، فألفيته بين المجلات والكتب والمسودات، يُعِيد نظره في بعضها، ويوقع عليها بما يراه، وسألني عن مقصدي فأخبرته به فتبسَّم، ثم تأمل قليلًا ونهض إلى بعض الكتب يتصفَّحها ويقلِّب فهارسها، وأطال في ذلك حتى خجلت من تضييع ذلك الوقت عليه، وصرفه عن عمله الذي كان منصرفًا إليه، وهممت بالتسليم فاستمهلني قليلًا ثم اعتذر، وأحالني على بعض الأدباء من السوريين عسى أن يكونوا على علم بصاحب تلك الأبيات، فشكرته وفي نفسي إعجاب بوداعته وصدق رغبته في الإفادة ولطف حديثه الذي يشفُّ عن المودة وسلامة الطوية، ورأيته بعد ذلك مرات، فما تغيَّرَتْ تلك الصورة التي رأيته عليها أول مرة، وما اختلف في منظره ولا في وداعته ولا في صدق ميله إلى العلم والمتعلمين أقل اختلاف.
وكان هذا العالم الجليل على صراحة مأنوسة يتذاكرها عارفوه بالمحبة والإجلال، فلا يدَّعي علم ما لا يعلم ولا يتردد في الاعتراف بما يفوته علمه والاطلاع عليه. لقيته على أثر انتخاب برجسون للأكاديمية الفرنسية، فحادثته في آراء هذا الفيلسوف والمقابلة بينه وبين وليام جيمس الذي يعرف عنه الدكتور غير قليل، فقال لي إنني لم أقرأ شيئًا لبرجسون هذا، ثم ضحك وقال: أيُعجِبك هذا الاعتراف ممن يسمون فلاسفة! قلت: إن في هذا الاعتراف يا أستاذ لشيئًا كثيرًا من الفلسفة الحقيقية. قال: حسن! ولكني أصارحك أنني لا أفهم هؤلاء الذي يخبطون فيما وراء الطبيعة ولا أدري لهم أولًا من آخر. فتحت كتاب ابن رشد فيما بعد الطبيعة، فما تجاوزت منه الأسطر الأولى حتى مللت وضاق صدري بأحاجيه ومعمياته، وأقفلته وما أتيت فيه على صفحة. إني لا أعرف كيف يفهم هذا الكلام.
على أنه كان يضع الصراحة في مواضعها، ولا يحب أن يصدم بها معتقدًا أو يهجم بها على شعور. وكانت سنته في الكتابة أن يقرر الحقائق كما هي، ويدعها تعمل عملها في النفوس والأفكار، فإن وافقت العقائد فذاك وإن لم توافقها فالفوز بينهما للصالح الرجيح، وسألته في هذا الرأي يومًا فقال لي: إنني أعرف طريقين لعبور التيار: إحداهما أن تقطعه من شط إلى شط في خط مستقيم لا تنثني أمام عقبة ولا تَحِيد عن قوة مانعة فتصل أو لا تصل، والأخرى أن تماشي التيار حتى تصيب منه منفذًا إلى سبيلك، فأنت بالغ إلى غايتك من سبيل طويل، ولكنه مأمون.
وكان يحب الأمثال، ويُحسِن أن يضربها، ويستشهد بها في مواطن الاستشهاد. جرى ذكر منافسة غير شريفة بين بعض الكتاب، فقال رحمه الله: كنت أرى في صباي أطفالًا يلعبون الكرة، فألاحظ أن فريقًا منهم كانوا يَعدُون أمام أصحابهم ليسبقوهم إلى التقافها، وأن أطفالًا آخرين كانوا يجذبون أصحابهم إلى الوراء ليمنعوهم من الوصول إليها. قال: فهاتان وسيلتان للمنافسة؛ إحداهما تنشط بالهمة إلى السبق والتقدم، والأخرى تقعد بالمرء وبمن ينافسه عن الوصول، والثانية — وا أسفاه — هي الغالبة على الشرقيين.
والذين يتابعون المقتطف يعلمون أن العالِم الفقيد كان من أصحاب الوسيلة الأولى في منافسة المساجلين ومسابقة العاملين معه على نشر المعارف والآداب، فما اعتدى على أحد منهم ولا بالغ في رد الاعتداء، ولكنه كان يَمضي على منهاجه في وقار الحكيم، وتؤدة الحلم، وثقة المطمئن إلى غايته العازف عما حوله، فما يذكر الذاكرون له إلا أدبًا جمًّا، وخلقًا رضيًّا، وتكريمًا للعلم، وإعراضًا عن الجاهلين، وإنه ليمضي مبكي السجايا كما مضى مبكي المعارف، وينعاه النعاة اليوم وما في الشرق إلا لسان هاتف بالأسف عليه، ذاكر بأجمل الثناء وأحسن التقدير.
وعزاء المفجوعين في الفقيد — وعالم العلم والأدب كله مفجوع فيه — أنه قدم بين يديه عملًا نافعًا لا ينقطع مده ولا ينفد عده، وأنه يبقيه بعده مكفول البقاء والتقدم في أمانة خلفائه الحريصين على ذلك الأثر الخالد الجليل، وإنهم بذلك لجديرون.

Saturday, June 27, 2015

التاريخ - جريدة البلاغ - ٢٩ إبريل ١٩٢٧


إدوارد جيبون مؤرخ كبير، صائب الحكم، جميل النسك، واضح الأسلوب، ألَّف تاريخه المشهور في تداعي الدولة الرومانية وسقوطها؛ فكان أثرًا لتلك الدولة باقيًا ما بقي لها ذكر على لسان، وآية في عالم الأدب من أمتع ما كتب كاتب في تاريخ أو رواية، وسِجِلًّا للحوادث يتجلَّى فيه صدق الرجل وصبره، وطول أناته، وحسن تخريجه وتعليله.
وكنت أقرأ هذا الكتاب فألمس فيه جلال القياصرة، وجلال الفناء، وأجمع فيه بين لذة القصص وعبرة التاريخ، ثم قرأت عن مُؤلِّفه قصة مضحكة فما زلتُ بعدها أتصفحه فيحضرني الابتسام، ويبدر إلي العبث بذلك المؤلف العظيم ودولته البائدة، ووقاره المهيب، وذلك أن مؤلفنا هذا كان مفرط السمنة ثقيل الجسم، ولكنه كان لا ينكر على نفسه حظها من الحب والغزل، فاتفق له مرة أن جلس إلى مليحة يكاشفها الحب، ويشكو إليها الوله والصبابة، ثم خطر له أن يصنع كما يصنع العشاق من ذوي الكيس والرشاقة، فركع بين يديها، وأفاض في التذلل لها والتهافت عليها، ثم فرغ من شكايته وحاول أن ينهض فأعياه النهوض، ورزح بذلك الحمل الثقيل الذي ألقاه هو والدولة الرومانية معًا تحت قدمي تلك المليحة اللعوب … فاستلقت ضحكًا، ولم تشفق على رصانة التاريخ ورصانة الحكمة أن تغرقهما في السخر والدعابة، وتردهما بالخجل والخيبة.
وكتب هربرت سبنسر مقاله عن «الضحك» فلم يجد هذا العالم الرزين مثلًا يضربه للمفاجأة المضحكة، غير أن التناقض بين السمنة التي يحملها الأستاذ جيبون، والخفة التي يدَّعيها، والمجانة التي يتورط فيها! فكان ضحك العالم الحكيم بتلك العثرة الغرامية التاريخية مضاعفًا؛ لما فيها من الدعابة والهزل البريء.
تناولت جزءًا من تاريخ الدولة الرومانية وفي ذهني هذه القصة، وعلى شفتي ذلك الابتسام، فجعلت أقرأ فيه فصلًا بعد فصل، وحكمًا بعد حكم، وأتمثل جيبون بين أطلال الرومان يستملي العبر ويستجلي الحقيقة، ثم أتمثله بين يدي تلك المليحة يتلقى الضحك ويبوء بالخيبة؛ فيخطر لي بين حين وآخر أن أداعبه وأداعب تاريخه الطويل ودولته العريضة وأسأله: ما يدريك، يا مولانا جيبون، أن الحقيقة كما وصفت، والأمر كما يدعون؟
يخطر لي هذا الخاطر ثم أعود إلى نفسي فأقول: وهل الدعابة وحدها هي التي توحي إلى الذهن هذا السؤال عند قراءة التاريخ؟ وهل لا يحق لنا أن نلقي السؤال بعينه على كل مؤرخ يجد في سرد الوقائع واستنباط الأحكام، ويلبس وجه القاضي الوقور وهو يُوزِّع الخطأ والصواب، والتبرئة والاتهام بين عباد الله الذين لا يملكون له تكذيبًا ولا تصويبًا، ولا يقدرون بين يديه على دفاع ولا تفسير؟ وهل لا يجوز لنا أن نجرب كل مؤرخ في تدوين واقعة مما نراه ونسمعه، ونعاشر جنانه وشهوده، ثم نرى كيف تتناقض فيها الآراء، وتصطدم الظنون، وتغيب الحقيقة وراء الأغراض والشهوات والأوهام؟
فالتاريخ إشاعات كما يقول كارليل، أو هو أساطير مصدقة كما يقول فولتير، أو هو رواية يخترعها كل كاتب من توليد خياله، وينتحل لها الأسماء والأعلام من سير النار وحوادث الأيام.
وكلما اتفق المؤرخون على رواية مسطورة كان ذلك أدعى إلى الشك فيها، والتردد في قبولها؛ لأنه دليل على الأخذ بالسماع والتسليم بغير مناقشة ولا تمحيص، فأما إذا اختلفوا واضطربت أقوالهم بين الثناء والمذمة، والترجيح والتضعيف؛ فأنت إذن حيال التاريخ في بابل من الفروض والآراء، ومضلة من الحقائق والشكوك.
والمؤرخ يحتاج إلى كل ما يحتاج إليه القاضي من الشهادات والأسانيد والبينات، وقد ينقصه كل أولئك في أكثر الحوادث التي يتصدى لها بالبحث والتقرير، فكل حادثة تاريخية قوامها الأشخاص والأخبار والمصالح والآراء، ولكل عنصر من هذه العناصر آفة تتطرق إليه بالزغل والارتياب، فالأشخاص يحيط بهم الحب والبغض، والرغبة والرهبة، والظهور والخفاء، والأخبار يعتورها الصدق والكذب، والفهم والجهل، والوضوح والغموض، والمصالح تتفق ولا تتفق، وتجاري الحقيقة وتناقضها، وتصبغ الأشياء عامدة أو غير عامدة بصبغة تلوح لهذا غير ما تلوح لذاك، والرأي عرضة لاختلاف العلم والنظر والمزاج وكل ما يدخل في تكوين الآراء وتقدير الأحكام، وإذا تأتَّى للمؤرخ أسباب الحكم على الأعمال الظاهرة، فقد تعوزه أسباب الحكم على النيات الخفية والبواعث المستورة، والعوامل التي يحجبها الإنسان عن خلده، ويغالط فيها ضميره، وهَبْه تأتَّى له كل ما يتأتَّى للقاضي من الشهادات والأسانيد والبينات؛ فهل يسلم القاضي من الزلل؟ وهل يأمن الزيغ في الفهم، والمحاباة في الهوى، وانتشار الأمر عليه في القضايا التي لها خطر، وللناس بها اهتمام؟ أما سفساف الحوادث، فسواء أصاب فيها القاضي أو أخطأ، فهي أهون من أن يتعلق بها خبر في تاريخ، أو مذهب في قضاء.
ومما لا ريب فيه أنك إذا فهمت حوادث الحاضر فهمًا جيدًا أغناك ذاك عن فهم حوادث الماضي، أو أعانك على إدراك دخائلها إن كان لا بد لك من الإحاطة بها والنفاذ إليها، ولكنك إذا فهمت حوادث الماضي حق الفهم — وليس ذلك بالميسور — لم يكد يغنيك هذا عن تدبر كل حادثة تمر بك في الحياة، واستخلاص عبرتها، واستطلاع أسبابها ونتائجها.
فأنت لا يعنيك من حوادث الماضي حقيقة الحادثة لذاتها، وإنما يعنيك تطبيق تلك الحقيقة على حياتك. وهنا يقف التاريخ ويقف المؤرخون وتبدأ الفطانة الصحيحة، والبديهة الثاقبة، والمزايا الشخصية التي يضيف إليها العلم بالتاريخ بعض الإضافة، ولكنه لا يسد مسدها، ولا ينوب عنها.
وهَبْ أن رجلًا درس التواريخ جميعًا، واطلع على أخبار الأمم والعظماء جميعًا، وخرج منها كلها بنتيجة وجيزة هي أن الناس عباد المنافع، ولكنهم يعملون لغير منفعة معروفة في بعض الأحيان، فماذا ينفع العلم بهذه الحقيقة من يمارس الدنيا ويحتاج إلى المعرفة بخلائق الذين يعاملونه ويعاملهم في الحياة؟ هل يبني معاملته للناس على أنهم طلاب منافع في كل سعي وكل غاية؟ إذن يخسر كثيرًا من المنافع التي قد تأتي إليه من حيث لا يبغي أصحابها نفعًا ظاهرًا ولا فائدة قريبة، ويخسر راحة العطف التي يشعر بها من يأنس إلى الناس ويأنسون إليه في غير مطمع معيب، ولا لبانة متهمة.
أم يبني معاملته لهم على أنهم زاهدون في المنافع، مبرءون من العلل والمطامع؟ إذن يتخطفه الطامعون، ويعبث بحسن ظنه العابثون، ويصدمه الواقع في كل خطوة، وتفجعه الخبرة في كل صديق.
أم يبني معاملته لهم على أنهم يطلبون المنفعة حينًا، ويطلبون العطف حينًا، وقد يطلبونهما معًا في أكثر الأحيان؟ ذلك هو الحكمة والصواب، ولكنه الصواب الذي ليس يفيده فيه التاريخ شيئًا، إذا كان هذا التاريخ لا يقف إلى جانبه ليريه في كل لحظة من لحظات حياته أين تكون المنفعة، وأين يكون العطف، وأين يلتقيان، وأين يفترقان.
وليس في وسع هذ التاريخ أن يُلهمه إذا هو عرف موقع المنفعة وموقع العطف كيف يكون مسلكه مع طلاب المنافع وطلاب العواطف، ولا كيف تتغير معاملته لفرد فرد منهم على حسب التغير في المنفعة التي ينشدها، والعاطفة التي ينقاد إليها.
والعجيب أن الناس في هذا الأمر بين اثنين ليس لأحدهما حظ يذكر في عِبر التواريخ، فالنظريون قلما تفيدهم الحقائق المدروسة؛ لأن آفتهم إنما تكون من التطبيق لا من الإدراك، ومزاجهم يوقعهم في الخطأ الدائم، والتردد الذي لا يسعف صاحبه في المآزق، على حد قول أبي العلاء:
وأعجب مني كيف أخطئ دائمًا
على أنني من أعرف الناس بالناس
والعمليون ينساقون بالفطرة إلى العلم الذي يلائم كل حالة، ويتمشى مع كل بيئة، فلا حاجة بهم إلى البحث والتأمل، ولا فائدة للحوادث الماضية عندهم إلا كفائدة الحوادث التي يعالجونها، ولا يتعمقون في درسها والتعقيب عليها. وهؤلاء ساسة الأمم المفلحون لن تجد في كل عشرة منهم سائسًا واحدًا يطيل الدرس، ويستقصي الأسباب والنتائج، أو يستشير في المشاكل والأزمات نصيحًا غير عفو الساعة ووحي الغريزة، ثم لا تراه أكثر خطأ في تصريف مشاكله وأزماته من أصحاب النظريات الذين يقيسون الحاضر على الماضي، ويُنعمون النظر إلى المستقبل، ويجعلون لكل حادث شبيهًا غابرًا قلَّ أن يشبهه في جميع نواحيه، بل ربما رأيت أصحاب هذه النظريات وقد خلعوا عنهم ربقتها، وصمدوا على رءوسهم لا يحجمون ولا يتلعثمون كأنهم يخشون فتنة البحث، فيوصدون آذانهم عن دعائه المقنع ودعائه المريب.
فكان «بلفور» أكبر الشكوكيين في الفلسفة، وأكبر الجازمين في السياسة، وكان يخاف على سياسته من «النظريات» فينفضها عنه نفضًا، فإذا هو في نظرياته التي يختارها عملي أشد من العمليين في التشبث بما يبرمون.
***
ولقد كان للتواريخ الماضية فائدتها الكبرى يوم كان الحاضر محصورًا في أضيق الحدود، وكانت كل أمة مقصورة على نفسها وعلى جيرانها، تجهل الأمم البعيدة عنها، وتحسب الماضي أقرب إليها من الحاضر الذي يعيش معها في زمان واحد. أما اليوم، والحاضر يتسع أمامنا إلى أوسع مداه، والشعوب تحيط بنا من كل طراز قديم أو حديث؛ فأي خبر من أخبار الغابر البعيد لا نجد له نظيرًا في أخبار الحاضر المشهود، وأية عبرة من الأيام الأولى لا تتوارد علينا مثيلاتها بعد ساعات من وقوعها في أقصى المشرق والمغرب، وأبعد الشمال والجنوب، فالرجوع إلى أعرق عصور الهمجية لا يجشمنا اليوم رحلة آلاف السنين في القماطر والأوراق، ولا يفصلنا عنه فاصل من زمان؛ لأنه يعيش معنا ويتصل بنا، وتأتينا أنباؤه ولا تمتنع عليه أنباؤنا.
ولدينا الآن معارض في الحكومات والشعوب والحضارات تضيق ببعضها رحاب التاريخ المعلوم والمجهول، وأمامنا الآن صنوف من الأنباء والخطوب، يستغرق بعضها عشرة آلاف سنة من سنوات المنقبين والمؤرخين، وفي أسماعنا الآن ثورات كالثورة الفرنسية، وغارات كالغارة التترية، ومجالس كمجالس الدولة الرومانية، ونهضات كنهضة القرون الوسطى، ووثبات كوثبة العباسيين أو كوثبة الأيوبيين، ودعوات كدعوة العقائد والأديان، ودسائس وحروب وزعماء وطبقات ككل ما سبق من أمثالها في كل عصر قديم، وزيادة عليها من بواكير هذا العصر الحديث؛ فافهم البلشفية في الروسيا، والزعامة في إيطاليا، أو في إسبانيا، أو في تركيا، أو في بولونيا، أو في إيران، ومطالب العمال في الدنيا بأسرها، والنهضة في الصين، وحرب الاستعمار في مصر ومراكش وسورية والأفغان، وتألب القبائل في بوادي الأعراب، وأساليب السياسة والمال والعلم والأدب والفن في فتح الفتوح، وتحويل الأحوال.
واستحضر ما عبر بك من بداية القرن العشرين إلى هذه الساعة من حوادث الأمم والأفراد؛ تكن على أيقن اليقين أنك لن تحتاج بعد ذلك من التاريخ إلى الشيء الكثير، وأنك إذا فاتك علم الحقيقة في هذه الأنباء التي تسمعها وتبصرها، وتعيش بين أصحابها ومؤرخيها؛ فلن يفوتك علم ما سلفت به الدهور أولى وأقرب إلى المعقول.
ذلك هو التاريخ في حقائقه وأباطيله، وفائدته ولغوه، فما أسهل ما يدان هذا الذي يدين كل الناس! وما أيسر ما يقضى على هذا الذي يقضي في كل مجال! فهل نطوي صحيفته؟ هل نقذف به في النار؟ هل نُجمِل تاريخه كما أَجمَل هو تاريخ الإنسان فنقول: إنه ولد فمات فلم ينفع أحدًا بين المولد والممات؟
لا، بعض الرحمة! فقد يكفي أن يظل بيننا شاهدًا للاستئناس به، كما يقولون في لغة المحاكم، ثم لا نترقى به بعدُ إلى منزلة الجزم والإبرام.

Tuesday, June 23, 2015

تاجور - جريدة البلاغ - ١ ديسمبر ١٩٢٦


قضينا ليلة أمس ساعةً في عالم الأحلام والرؤيا ننظر ونسمع ونلمس بهذه الأعين الباصرة وهذه الآذان الواعية وهذه الأيدي التي تنضوي إلى الجنوب، قضينا ساعة نصغي إلى حكيم الهند تاجور يتكلم بصوت الهند قديمًا وحديثًا وباديًا في عالم الشهادة وذاهبًا في عالم الضمير. وأنت إذا أصغيت إلى صوت الهند، فإنما تصغي إلى شيء بعيد يقترب إليك من علياء التصوف وغَيابة القِدَم وصوامع الأسرار، وإنما تصغي إلى أرض يضاعف من بُعْدها في المكان ما أحاط بها من مناسك، وأنباء، ومشاهد قد تُخيِّل إليك — وأنت تطأ أرضها — أنك مُقدِم أبدًا على رحلة نائية ووجهة لا تتصل نهايتها بنهاية ما حولها من حدود.
الهند! يا لغرابة هذا الحرف في الأسماع حتى في عصر الطيران، والبخار، وعهد الخرائط الضافية لا يحتجب عنها موقع على الأرضين ولا على البحار! لكأنك حين تسمعه ينجاب لك حجاب الحس عن عالم تتلاقى فيه ظلال «النرفانا» وحقائق الحياة، وتتقارب عنده أساطير الرواة وحوادث التاريخ، ويسير فيه الناس لا تدري أهُم أشباحُ ليلٍ أم هم أجساد تطلع عليها شمس النهار.
فهذه الهند البعيدة في عزلتها من التصوف والغيبوبة هي التي سمعناها أمس حين سمعنا تاجور يتكلم بصوته الواضح الوديع، ونظرته الساجية المطمئنة، وطلعته الراضية المرضية، وحركاته التي هي مزيج من صلاة وابتهال، ومن شعر ونغم، ومن تحية وسلام.
وما أعجب هذا الانسجام في حكمة تاجور، وسمت تاجور، وصوت تاجور، وكل وصف يتصف به هذا الشاعر الناسك والواعظ الفيلسوف! إنك لتقرأ فلسفته، ثم تنظر إلى وجهه، ثم تستمع إلى صوته، ثم تتأمل في إيماء يده ونظرة عينه؛ فترى في
كل ذلك قريبًا من قريب وشبيهًا يمت إلى شبيه.
والحق إنني بعد أن رأيت مُحيَّاه الوسيم وسمعت صوته الندي؛ خُيِّل إليَّ أنني كنت أجد بعض الدهشة لو وجدت صاحب تلك الفلسفة يبدو بغير هذا المُحيَّا ويتكلم بغير هذا الصوت ويومئ بغير هذا الإيماء؛ فقد أتم الله الانسجام في نفس هذا الرجل، فإذا هو شيء واحد في الكتاب، وفي السمع والبصر، وفي التصور والخيال.
تاجور هو السماحة، والحب، والرضا، والخشوع، والجمال. وهو هذا الذي يبدو لك جميعه في شعره ونثره ومعارف وجهه ونبرات صوته ولمحات معانيه، حتى لو بحث الرجل عن جبين يتمثل فيه ذلك الحنو الإنساني، وعن صوت تترنم به تلك الصلاة الشادية، وعن جسد يتحرك فيه ذلك الإيمان الخاشع؛ لَمَا ألفى لصفاته من مثال أشبه بذلك المثال الذي تم له فيه التناسق والانسجام. فهو روح لبست ثوبها أجمل ملبس وأطيبه وأحلاه، وهو نغمة كاملة لا انحراف فيها ولا نبوة ولا اختلاف.
ولقد أذكر للشاعر الحكيم في رواية «جورا» بطلًا من أبطالها المعدودين لم تتجاوز سِنُّه الثامنةَ ولكنه أفرد له دورًا يُهِمُّك أن تتبعه في فصول الرواية كما تتبع أظهر الأبطال العاملين فيها وأحب المواقف المنظورة منها، ولقد أفاض عليه من ذلك العطف الواسع الذي في نفسه؛ فحبَّبه إلى القارئ أيما حب، وحَفَّهُ حيثما قال أو سكت أو تحرَّك أو سكن بالحنان والدعابة والابتسام. فمن قرأ قصة ذلك الصديق الصغير لمس في نفس الشاعر الكريم ينبوع تلك الأبوة الرُّوحية التي تطلب في كل شيء مظهرًا من مظاهر عطفها ورأفتها، وتتجلى أملح ما تتجلى في أحاديث الأطفال مذ كانوا هم في هذه الدنيا أحب ما يتعلق به العطف والحنان.
وإنما الأشياء كلها في هذه الحياة أطفال يلفها تاجور بحبه ويستر عريها بإشفاقه، ومن عرف تلك الأبوة الروحية في فلسفة تاجور لقد كان ينقصه أن يراه ليلة أمس وهو ينشد قصيدة الصبي يناجي أمه ويعتب عليها أنها لا تنصفه كما تنصف أباه! فما كان منظر فيما رأيتُ أو فيما قرأتُ أدنى إلى مكان الرقة من القلب من منظر ذلك الشيخ المحبوب يحكي الطفل الصغير فيما يشير به وما يقول، وما يرف جناح النفس على صورة أجمل من تلك الشيخوخة الطاهرة في زي الأطفال أو تلك الطفولة الباسمة في مسوح الشيوخ.
وتاجور هو «تاجور في الصميم» حين يقف مثل هذه المواقف وينشد مثل هذه الأناشيد؛ فإن السعادة العظمى كما قال لنا أمس هي أن يعرف الإنسان صميم نفسه وينفذ إلى لُباب وجوده. ولقد نفذ الشاعر إلى لُباب طفولته الجليلة وكان أسعد ما يكون في هذا النشيد اللطيف، فأشعَّ علينا من سعادته الباطنة نورًا بهيجًا؛ فأبهج نفوسنا بذلك الصبا المشرق وذلك الحنان العميم.
وسمعنا من الرجل فلسفته فإذا هي فلسفة البساطة العميقة والعمق البسيط، وإذا هي حكمة من أراد أن يقيسها بمقياس المناطقة والباحثين كان — على حد قوله — كمن يأتي إلى الحديقة بمحك الجواهر ليُقوِّم به ثمن الجمال في الأزهار والرونق في الرياحين! حكمةٌ قوامها أن تطلب النفس حريتها، وحريتها أن تبلغ إلى حقائق الوجود في ذواتها وتنبذ عنها أعراض المنافع وقشور اللبانات، فما يسعد الإنسان حق سعادته إلا حين يحب شيئًا ما من الأشياء لِذَاتِه لا لما يناله من منافعه وعوائده.
وما كانت الحرية إلا الصلة الصادقة بلباب الأشياء، وليست هي — كما يظنون — الانفصالَ عن كل شيء، والإفلات من كل اتصال؛ فأعظم الناس حرية هو أوثقهم آصرةً بما في الكون من صميم الحقيقة وبواطن الوجود. وهذا هو «تحقيق الحياة» كما بَسَطه الشاعر الحكيم في كتاب «سادهانا»، وأوجزه أحسن إيجاز في خطاب الليلة الماضية؛ إذ أضفى على نضرة الحديقة مسحة من جلال الخلود لا تبلى مع الليالي ولا يتبدل بها اختلاف الفصول.
لقد قرأنا لتاجور، ثم رأيناه وسمعناه، وأنسنا بروحه الملكية ومحضره القدسي الرفيق. فإذا قلنا بعدُ أننا ما سمعنا منه ولا رأينا إلا مصداق ما قرأنا وأننا ما قرأنا له إلا مصداق ما سمعنا ورأينا فتلك هي التحية التي يُحيَّا بها «الرجل الصادق» الباحث عن تحقيق الحياة، وتلك هي الصفة التي تثني على صاحبها بما يغني عن الثناء.

Saturday, June 13, 2015

في عالم القراءة: لحظة مع نيتشه - مجلة الكتاب - 1 أكتوبر 1922

أيام من التوعك نحب أن نشرك القارئ في خيرها، ونسأل له الله أن يجنبه شرها، وما خَيْرُها إلا صفحات من القراءة المتفرقة نزجي بها الوقت، ونسري عن الفكر بقدر ما تستطيع النفس العازفة والطبيعة المنحرفة، وليست هي والحمد لله من القراءة السياسية، فإننا نعتبر جو السياسة كجو المدن مما ينبغي أن لا يخوضه المرء أو يقر فيه إلا على أكمل صحة؛ لأنه جو تختلط فيه الأنفاس وتزدحم المناكب وتكثر الجلبة والصخب، وينتشر عليه من مجاجة النفوس الكريهة ونفث الضمائر الموكوسة ما يحتاج الصبر عليه إلى مناعة وحيطة لا يطيقهما من يطلب العافية والمعافاة. وأي جو من الأجواء السياسية هو أكدر وأسرع عدوى وأخبث جرثومة وأدنى إلى تغثية النفس من جو مصر السياسي في هذه الأيام؟!
وسنقتصر في ما نورده هنا على خلاصة مما تصفحناه من مجلة أمريكية قديمة، وقعت في أيدينا مصادفة، وهي مجلة أسبوعية ممتعة تقرأ في العدد الواحد منها ما لا تقرأه في مجلات مختلفة من طرف الأدب والعلم والفن، ويجمع لك ناشروها على سبعين صفحة أو قراب ذلك موضوعات بينها من الاختلاف والتنوع ما بين الكلام مثلًا على التصوير الياباني الحديث ووصف زيارة لنيتشه في مرضه، أو ما بين «توجيه دورة الحياة» ومقال في نقد المواطن الضعيفة من الأدب الأمريكي، أو ما بين «مشاهدات ماكس نوردو» في إسبانيا والنظر في مآل ألمانيا الجديدة، وهكذا؛ مما ينشط النفس إلى القراءة ويدفع عنها سآمة التشابه. وقد نكتفي بما نورده في هذا المقال ونقفل حساب هذه الأيام عليه، وقد نعود وقتًا بعد وقت إلى موضوعات أخرى إذا رأينا في العودة فائدة وأبى القارئ إلا أن يشركنا في محصولنا كله.
أما حديثنا اليوم مع القارئ ففيم يظنه يكون؟ لا نخاله يجهل ما هو حري بأن يقع عليه اختيارنا لأول وهلة من بين هذه الموضوعات. وماذا عسى أن يكون أدعى إلى السلوى والاعتبار من وصف مريض نابِه، كان في كتاباته من أشد الناس قسوة على المرضى، وكان في حياته من أحوج المرضى إلى العطف والرحمة؟! ذلك هو فردريك نيتشه، المفكر الألماني الذي حارب المرض أعنف حرب حتى غلبه هذا العدو الغاشم فصرعه بعد أن قيَّده في أَسْره اثني عشر عامًا مجرمات من أعوام الجحيم، وبعد أن سلبه كل ما منحته الحياة والصحة، حتى فكره وقلمه الذي كان أمضى أسلحته في هذا العراك الوبيل.
وليس نيتشه بحاجة إلى التعريف — ولا سيما بعد الحرب الكبرى — فنعرفه إلى القارئ، ولكنا نومئ إلى أسباب مرضه الذي لزمه هذا الزمن الطويل، وهي على الجملة سوء الهضم المزمن وكد الذهن، وما كان يقاسيه من صراع عاصف في أعماق نفسه، ومن عنت مُتْلِف بين أبناء قومه، وقد يُضاف إلى ذلك أثر من الوراثة؛ إذ كان أبوه — كما جاء في بعض الأسانيد — مصابًا بمرض الدماغ.
وظلت هذه الأسباب تتعاوره حينًا حتى ألقته طريح آلامها، فخُولِط في عقله ثم جن جنونًا مطبقًا، وظهرت عليه دلائل هذا الجنون في أوائل سنة ١٨٩٩ عقيب نوبة عصبية، ومن ثم بَقِيَ مذهوب العقل، منهوك الجسد، لا يُفيق فترة حتى ينتكس ويعود إلى ما كان فيه أو إلى شر منه، ولبث على هذه الحال من الضنى والعذاب اثني عشر عامًا طوالًا كان في أثنائها كالطفل الرضيع لا حول له ولا حيلة، موكولًا إلى ما يشمله من حنان أمه وأخته، وعطف الأصدقاء من مريديه والمعجبين به، حتى أدركه الموت براحته، في أواخر شهر أغسطس من سنة ١٩٠٠ فقضى بذات الرئة، وكانت خاتمة علله.

والمقال الذي نشير إليه يصف زيارة قصيرة له في خلال هذا المرض، كتبته مؤلفة ألمانية معروفة في قومها، اسمها جابرييل روتر، وهي كما قالت ممن اتخذوا نيتشه معبودًا أدبيًّا لهم. ولا يخلو من بعض العجب أن يكون لنيتشه عابدات بين النساء المطلعات؛ لما يعلمه قراؤه من سوء رأيه في المرأة، وتعييره للمخدوعين بدعواها ودعاوى أنصارها، فقد كان يستصوب في كلامه عليها آراء الجامدين من الشرقيين، وكان يستكثر عليها الاشتغال بالعلم وطلب الحق، ويقول: «ما للمرأة والحق؟! إنه من مبدأ الأمر لم يكن شيء أغرب عن طبعها، ولا أكره مذاقًا لديها، ولا أعدى لها من الحق، وإنما صناعة المرأة الكبرى التزييف، وهمها الأعظم الظهور والجمال.»
وكان من قوله في موضع آخر: «إن الرجل الذي يجمع بين عمق الروح وعمق الشهوات، والذي فيه من الخير العميق ما هو أهل للقسوة والخشونة، وما يسهل اختلاطه بهاتين الخلتين لا يسعه أن يرى في المرأة إلا ما يراه الشرقيون، لا يسعه أن ينظر إليها إلا نظرة إلى قُنْيَة مملوكة، وحرز مدخر، ومخلوق مقضي عليه بالخدمة وأداء واجبه بهذا الاعتبار، ولا مناص له من أن يتخذ موقفه في هذه المسألة من مرتقى الحكمة الآسيوية الزاخرة معتمدًا على تفوق ما في آسيا من بداهة … إلخ إلخ.»
فما الذي أعجب المؤلفة الذكية من هذه الآراء في بنات جنسها؟! أتراها شعرت في صميم وجدانها بصدق حُكمه؛ فكان ذلك من بواعث إعجابها؟
ولكن ترجمة نيتشه وفلسفته وحياته كثيرة المتناقضات، فليست هذه ولا غيرة تلميذاته الأخر على التبشير بفلسفته بأغربها وأدعاها إلى الدرس والتأمل، وكفى أنه هو نفسه ابن قسيس وامرأة متعبدة يشن الغارة على الدين ورجال الدين، ويقول في النعي على عقيدة آبائه ما لم يقله أحد قبله.
قالت المؤلفة الألمانية في ما وصفته من خلق أمه وسمتها: «وكانت أرملة القسيس لا تُرِيكَ في بادي هيئتها أعوامها السبعين، ولا يتخلل شعرَها الأسودَ أثرٌ من الشيب، وقلَّ أن تلمح على جبينها القويِّ تغضن الأسارير، وكانت جالسة إلى مائدة للخياطة فاحمة اللون على مقربة من النافذة، وعلى النافذة لوحة مكتوب فيها هذه الآية: «إن الجبال تزول، والهضاب تتحول، ولكن لا تزول عنك رحمتي، ولا يتحول عنك عهد سلامي.» وهي تذكار عطف أرسله إليها بعض الأصدقاء حين علموا بمرض ولدها الشديد، ولطالما استقرت على هذه الأسطر عينان غشتهما الدموع، والتفَّت أمامها ذراعان مطويتان للصلاة!»
فكم من نقيضة في الحياة يقرؤها الفكر في هذه الكلمات القليلة! أُمٌّ تناهز السبعين ولا تشيب، وولد تبرح به الأسقام في عنفوان الصبا … وعزاء تجده الأم في تلك الآية يخفف عنها ما يكرب نفسها من رزيئة ولدها، وقد أطار البحث في هذه الآية وأشباهها صواب الولد، وأقلق راحة نفسه وجسمه، ورمى به في ظلمة لا يغني عنده فيها إيمان ولا عزاء، والنفسان بعدُ أقرب ما تكون إحداهما إلى الأخرى!»
ومما حدثتنا به الكاتبة أن هذه الأم الصبور كثيرًا ما خطر لها أن تلتمس الغفران في الدار الآخرة لولدها بإحراق مخطوطاته التي لم تُطبَع، وكادت تفعل لولا أن ابنتها عادت إذ ذاك من أمريكا فأَلْفَتْ أُمَّها على هذا العزم تهم بإبادة كل ما فيه خروج على الدين من تلك الكتب، فلقيت عناءً كبيرًا في صرفها عن هذا العزم وأقنعتها بعد مشقة بترك هذه المخطوطات في صندوقها؛ لأن كتابة العبقري ليست بملك لأهله، ولكنها ملك العالم أجمع.
ثم تعود الكاتبة فتحار في اختلاف أهواء القلب الإنساني، وتعجب لزهو الأم بشهرة ولدها التي كانت تسوق إلى منزلها كثيرًا من الزوار المعجبين به، وما كانوا يعجبون من آرائه إلا بما كانت تود هي إحراقه ومحو آثاره!
أما الزيارة التي قصدت الكاتبة وصفها فقد جاءت اتفاقًا على غير انتظار، وكانت لا تطمع هي فيها ولا تطلبها؛ إذ كان المريض معزولًا وحده في حجرة منفردة لا يدخلها غير أمه وأخته والطبيب الذي يعالجه، ولا يسمح بالدنو منها لأحد غير هؤلاء، وكان لا يُسمَع له صوت في المنزل غير ما يتردد بين حين وآخر من أنين خفيض مكتوم، ينطلق منه على غير إرادة ولا شعور في معظم الأحيان.
وسبب الزيارة أن أحد المصورين رغب في تصوير نيتشه في بعض فترات صحوه، حيث كان يجلس ساعات طويلة تحت دالية من حوالي الحديقة الصغيرة، فأُجِيبَ إلى طلبه، ولكنه لم يُوفَّق إلى إرضاء أم المريض ولا أخته، وجاءت أعراض السقم في الصورة أظهر مما أحبَّتْ تلك الأمُّ المسكينة أن تراه على ملامح ولدها الذي انقطع الرجاء من شفائه، وكان لا يزال من أسباب العزاء لقلبها أنه على خطورة سقامه وثقل وطأته كان — في ما ترى من ظاهره — مُشْرِق الطلعة، وضَّاح الجبين، لا تنم سحنته عن داء كمين، فلما كملت الصورة أرادت أن تتحقق صديقتها بالمشاهدة خطأ المصور وتقصيره، فدعتها إلى زيارة حجرته.
قالت الكاتبة: «فتبعت السيدة العجوز على الدرج إلى الطبقة الثانية، وكانت ركبتاي — ولا أكتم ذلك — ترتعدان، وفتحت الأم بابًا وقالت وهي تدخل الحجرة: اقتربي، إنه لن يشعر بك. فدنوت فإذا بي أرى قبالة الباب بحيث يتجه بصري عند دخولي فردريك نيتشه جالسًا على كرسي مائل إلى الوراء، فوقفت لحظة أتأمل تلك المعارف المسمرة من لفح الشمس البالغة في لطافتها على ما فيها من القوة، وأنظر إلى لحيته الغزيرة وأنفه الدقيق الأقنى وجبهته النبيلة، وكانت عيناه الواسعتان مصوبتين إليَّ بنظرة نافذة ملحة جادة، وكانت يداه الشاحبتان البديعتان مكتوفتين على صدره كأيدي الصور المنحوتة على المقابر القديمة، وقفت ثمة أرتجف من وقع نظرته التي كانت تنبعث إليَّ كأنما هي شعاع يومض من هاوية للألم والعذاب بعيدة القرار، ثم ارتخت عيناه بعد هنيهة وأغمضهما إغماضة خفيفة فلم يبقَ باديًا منهما غير البياض يدور تحت الأجفان المسدلة في عماية مخيفة. ونادت أمه وكانت واقفة بجانبه: تعالي. فنظرت فإذا على ذلك الجبين الذي يحكي جبين الموتى خلجة مؤلمة تخفق عليه، وإذا بصوت يقول: لا، لا يا أماه، كفى! كفى! وكأنه يخرج من أعماق ضريح، وما كان في الدنيا من قدرة كانت تستطيع هنالك أن تسول لي إزعاج ذلك المناضل في سبيل الحق، وهو في سكينته تلك يفنى على مهل، فتراجعت، ومضت برهة قبل أن تثوب إليَّ نفسي وأقوى على مفاتحة أمه بكلمة.»
وهكذا كانت خاتمة أيام هذا الداعية الناقم على الرحمة والرحماء، القائل أن ليس للضعفاء من معونة لدينا إلا أن نهديهم إلى طريق الفناء، شاءت الأقدار أن ينفق من عمره المنغص المضطرب اثنتي عشرة سنة لا معول له فيها على شيء غير ما كان يحوطه من رأفة ذويه وأصحابه!
ولسنا ندري كيف ينظر نيتشه إلى تلك الرأفة لو قُدِّر له أن يتناول قلمه مرة أخرى ويكتب فلسفته من جديد، أكان ينظر إليها من جانب أنانيته فيحمدها ويزكيها أم ينظر إليها من جانب فكره فيأسف لها ويشكوها؟! ولا ندري كذلك أيهما كان خيرًا له في الحقيقة، أن تزهقه القسوة لأول عام من مرضه أم أن يثوي في قبضته معذبًا ميئوسًا من صلاحه هذا الثواء الذي يمل فيه النعيم والدعة فضلًا عن المحنة والبلاء؟! تلك مسألة فيها نظر.
على أنه مما لا شك فيه أن الطبيعة لا تستغني عن فضيلة الرحمة، ولو كان يسعها أن تستغني عنها لما احتاجت إليها في أهم أغراضها، وهو حفظ النوع، فأودعت قلوب الوالدين هذه الرحمة الخالصة بالبنين.